عاجل| تقليص الساعات المعتمدة بكليات العلوم يثير الجدل.. وخبراء يحذرون: «تهديد لمستقبل الخريجين»
في ظل اتجاه المجلس الأعلى للجامعات نحو تقليص عدد الساعات المعتمدة بكليات العلوم إلى 124 ساعة، تتصاعد موجة من الجدل داخل الأوساط الأكاديمية، وسط تحذيرات واسعة من تطبيقه، والإشارة إلى أنه يُمثل تراجعا خطيرا في مستوى إعداد الخريجين.
وأكد أكاديميون، أن كليات العلوم تمثل "حاضنة العقول" ومحركا أساسيا للتقدم العلمي والتكنولوجي، مشددين على أن تقليص مدة الدراسة أو اختزال الجانب العملي والمعملي قد ينعكس سلبا على كفاءة الخريج وقدرته على المنافسة في سوق العمل.
ويرى خبراء، أن السعي لمواءمة النظم التعليمية العالمية لا ينبغي أن يأتي على حساب جودة التعليم، خاصة في التخصصات العلمية التي تعتمد بشكل أساسي على التدريب العملي والتجريب.
كما طرح الخبراء، بدائل لتطوير المنظومة، من بينها تحديث المناهج، وتطبيق سنة تدريب إلزامية، وتعزيز الاستثمار في المعامل، بما يحقق التوازن بين التطوير والحفاظ على المستوى الأكاديمي، وسط تحذيرات من أن الاستمرار في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى إضعاف البنية العلمية للجامعات المصرية، مؤكدين أن جودة خريجي كليات العلوم تمثل أحد ركائز الأمن القومي والتنمية المستدامة.
"كشكول" يسلط الضوء على توجه المجلس الأعلى للجامعات لتقليص سنوات الدراسة، ويستمع إلى تقييمات أكاديمية حول انعكاساته على مستوى الخريجين، عبر تقريره التالي:
يقول الدكتور وائل كامل، الأستاذ الأكاديمي بجامعة حلوان، إن توحيد اللوائح بتدخلات لجان قطاع المجلس الأعلى للجامعات، كمن يوحد ماكينات المصانع والمواد الخام ونظم العمل، لإنتاج خريجين متشابهين بنفس العيوب المتكررة بل ويقتل التميز والتنافسية"، لافتا إلى أن ما يجري داخل المجلس الأعلى للجامعات، عبر لجان القطاعات، لم يعد مجرد تدخل تنظيمي يمكن تبريره تحت لافتة "تطوير التعليم"، بل أصبح أقرب إلى إعادة فرض مركزية كاملة على الجامعات، تُدار بها اللوائح والبرامج من أعلى، وكأن المؤسسات الأكاديمية فقدت أهليتها في إدارة شؤونها العلمية.
وأشار كامل، إلى أنه بالنسبة لقطاع العلوم، فإن التناقض بوضوح بين السعي المُعلن للحفاظ على جودة الخريج ومواكبة المعايير الدولية، وبين تقليص عدد الساعات المعتمدة إلى ١٢٤ ساعة بشكل شبه موحّد. فالمحتوى العلمي في التخصصات الأساسية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات لم ينخفض بطبيعته، وبالتالي فإن تقليص الزمن المخصص له يعني إما حذف أجزاء من المعرفة أو تقديمها بشكل مُختزل، وهو ما ينعكس مباشرة على عمق الفهم والكفاءة البحثية للخريج. هنا يتعارض الهدف (تحسين الجودة) مع الأداة (الاختزال الكمي).
كيف يمكن توسيع نطاق المهارات والمعارف المطلوبة من الطالب؟
ويرى أنه في قطاع الفنون، يجري الدفع نحو تقليص مدة الدراسة من 5 إلى 4 سنوات وتحديد عدد ساعات كل البرامج ب ١٤٤ ساعة، في الوقت الذي يتم فيه إضافة مكونات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي وتحديث البرامج. هذا الجمع بين “الإضافة” و”الاختزال” في آن واحد يخلق تناقضًا عمليًا: كيف يمكن توسيع نطاق المهارات والمعارف المطلوبة من الطالب، وفي نفس الوقت تقليل الزمن اللازم لاكتسابها؟ النتيجة المنطقية هنا ليست التطوير، بل الضغط على العملية التعليمية بما يفقدها عمقها، خاصة في مجال يعتمد أساسًا على التراكم المهاري والتدريب المستمر والتجريب طويل المدى.
كما أكد كامل، أن الأخطر من ذلك أن كلا القطاعين يعكسان توجها واحدا: التعامل مع التعليم بمنطق هندسي رقمي، حيث يتم ضبط السنوات والساعات وفق نموذج موحد، دون اعتبار كافٍ لاختلاف طبيعة التخصصات، مبينا أن هذا النهج لا يراعي أن الفنون تحتاج زمنًا للنضج الفني، وأن العلوم تحتاج مساحة للترسيخ والتجريب، وأن أي تقليص غير مدروس ينعكس مباشرة على جودة الخريج، لافتا إلى أن “الإطار المرجعي” تحول من أداة استرشادية إلى آلية شبه إلزامية، تُستخدم لفرض هذه التعديلات على الكليات، بما يحدّ من قدرتها على تقييم احتياجاتها الفعلية وبهذا، لا تصبح المشكلة فقط في محتوى التعديل، بل في غياب المرونة المؤسسية التي تسمح لكل كلية بتكييف برامجها وفق طبيعتها ورؤيتها الخاصة.
بدائل بدلا من تقليص الساعات لتطوير المنظومة
في نفس السياق، ترى الدكتورة هبة محمد فهمي، الأستاذة بكلية العلوم جامعة القاهرة، إن كليات العلوم هي "حواضن العقول" التي تُصاغ فيها هوية مصر العلمية، وليست مجرد قاعات لإلقاء المحاضرات، مشددة على ضرورة إعادة النظر في مقترح تقليص الساعات المعتمدة إلى 124 ساعة.
وتضيف أن محاولة مواءمة النظم العالمي لا يجب أن تأتي على حساب الجودة الحقيقية؛ فإعداد عالم في الفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا يتطلب تكثيفا معمليا لا يمكن اختزاله في هذا العدد الهزيل من الساعات دون الإخلال بمهارة الخريج وقوته الأكاديمية.

واقترحت الأستاذة بجامعة القاهرة، عدة بدائل بدلا من تقليص الساعات لتطوير المنظومة، منها:
1. تطوير نوعي لا كمي: تحديث المناهج لتقليل الحشو النظري مع الإبقاء على (146-160 ساعة) لضمان استيفاء الجانب العملي والبحثي.
2. سنة الامتياز التدريبية: تطبيق سنة تدريب عملي إلزامية (Internship) بالمصانع والمستشفيات والمراكز البحثية لربط الخريج بسوق العمل، بدلًا من تقليص مدة دراسته.
3. المسارات التخصصية: تقسيم الساعات المعتمدة بحيث يُمنح الطالب حرية اختيار مسارات مهنية دقيقة (Track system) تزيد من جودته التنافسية عالميًا.
4. الاستثمار في المعامل: بدلًا من تقليل الوقت، نأمل في تطوير وتجهيز المعامل بأحدث التكنولوجيات لرفع كفاءة الساعة الدراسية الواحدة.
جودة الخريج وقوته العلمية هي أمننا القومي الحقيقي، والعدول عن هذا المقترح هو انتصار لمستقبل البحث العلمي في مصر وأمانة في أعناقنا جميعًا.