السبت 18 أبريل 2026 الموافق 01 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تحقيقات وحوارات

عاجل| ضعف الأجور يطارد أساتذة الجامعات وهجرة العقول تتسارع.. خبراء يطرحون مطالب للإنقاذ

كشكول

تصاعدت مطالب أساتذة الجامعات بتحسين أوضاعهم المالية، في ظل استمرار ضعف الرواتب وعدم مواكبتها للمتغيرات الاقتصادية، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول أسباب عزوف أوائل الخريجين عن الالتحاق بالعمل الأكاديمي، بعدما كان يمثل في السابق قمة الطموح ومصدرا للمكانة الاجتماعية بالالتحاق بالمسار الأكاديمي.

ضعف رواتب أساتذة الجامعات

ومع تفاقم هذه الأزمة، دفعت هذه المعادلة غير المتوازنة أعدادا متزايدة من الكفاءات إلى الهجرة بحثا عن فرص تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، بينما بقي داخل المنظومة من لا يرتبط بها فعليا، أو من تحول ظروفه دون المغادرة، ومع كل ذلك، تتآكل القدرات الأكاديمية تدريجيا.

ويرى أكاديميون، أن تأخر تعديل الأجور بات عاملا حاسما في دفع الكثيرين للتفكير في العمل خارج البلاد، خاصة مع تحول المسار الأكاديمي في نظر البعض إلى رحلة طويلة ومكلفة، تتطلب سنوات من الدراسة والبحث والترقي، يتحمل خلالها الباحث أعباء مالية ومهنية كبيرة، لينتهي الأمر براتب لا يعكس حجم الجهد ولا يضمن حياة كريمة.

"كشكول".. يسلط الضوء على مطالب أساتذة الجامعات ومقترحات وقف نزيف العقول وحماية الكفاءات من الهجرة

يرى الدكتور وائل كامل، الأستاذ والأكاديمي في جامعة حلوان، أن الحديث عن تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس، لم يعد مجرد شكوى متكررة داخل أروقة الجامعات، بل تحول إلى مخاطبة مباشرة لرأس الدولة ووزير التعليم العالي، مؤكدا أن نادي أعضاء هيئة البحوث بمركز بحوث الصحراء، وُجه خطابا مؤخرا إلى رئيس الجمهورية، طُرحا الأزمة بأن أجور الأساتذة والباحثين لم تعد قادرة على تلبية متطلبات الحياة الأساسية، وأن زيادات الدولة في الأجور لا تصل إليهم فعليًا، في ظل هيكل مالي جامد لم يتغير منذ سنوات طويلة.

وأشار كامل، إلى أن الخطاب لم يكتفِ بوصف الأزمة، بل كشف جوهرها بالاعتماد على أجر أساسي ضعيف، وبناء الدخل على بدلات متغيرة لا تدخل في حساب المعاش، مع المطالبة بإعادة هيكلة شاملة تضمن عدالة واستقرارًا حقيقيًا، ورغم حداثة هذا النداء، فإن ما يكشفه على الأرض يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد تأخر قرار، بل ترتبط بتصميم كامل لمنظومة الأجور داخل الجامعات، ونفس الأمر تم بتوجيه مذكرة لوزير التعليم العالي وبعض الأقسام العلمية بالكليات أدرجت في محاضر مجالسهم موضوع ضعف الرواتب لترفع به توصيه لمجالس الكليات ثم مجالس الجامعات لحل تلك المشكلة.


ولفت إلى أن أساتذة الجامعات، بدأوا بمناشدة أعضاء البرلمان ليصل صوتهم للرأي العام، مبينا أن مفردات مرتبات حديثة، تظهر أن الأستاذ الجامعي يعمل بأجر أساسي لا يزال يدور في حدود رمزية، بينما يصل صافي ما يتقاضاه بعد الخصومات إلى متوسط عشرة آلاف جنيه شهريًا وبالتالي لن يطبق عليه زيادة الحد الأدنى من الراتب.

وبين كامل لـ كشكول، أن هذه القيمة ليست انعكاسًا لحجم ما يُعلن من استحقاقات، بل لما يتبقى بعد خصومات مرتفعة تقترب من 35% من إجمالي الدخل، وهو ما يوضح المفارقة بشأن الزيادة التي تتواجد على الورق، لكنها لا تُترجم إلى تحسن فعلي في مستوى المعيشة، فضلا عن بنود الراتب والتي بها قيم لا تزال بالقروش وعلاوات شهرية قيمتها بالجنيه لا تتخطى أصابع اليد الواحدة عند الترقي، لافتا إلى أنه رغم ارتفاع الحد الأدنى للأجور أكثر من مرة، فإن الأستاذ الجامعي يظل عمليًا خارج نطاق الاستفادة الحقيقية لأن أساسي الثابت ضعيف وبالتالي الـ ١٥٪ التي أعلنت عنها الدولة لن تزيد بأي حال من الأحوال ىأقدم أستاذ عن ما قيمته ١٤٠جنيها زيادة فقط لا غير فالكادر الخاص لا يتفاعل مع هذه القرارات بنفس آليات الخدمة المدنية، كما أن اعتماد الدخل على مكونات متغيرة أصبحت مقطوعة وثابته منذ عام ٢٠١٥ يقلل من أثر أي زيادة عامة، ويختصر في نسبة الأساسي الضعيف الذي لا يتجاوز الـ ٨٠٠جنيه لأقدم أستاذ، ولطالما مثل “حافز الجودة” أداة تعويض غير مباشرة، إلا أن توقف زيادته منذ العام الماضي، واستمرار هذا التوقف، يعني تجميدًا فعليًا للدخل في وقت تتسارع فيه معدلات التضخم.

وأوضح كامل، أن كل ذلك يؤدي إلى تآكل التفرغ العلمي، مشيرا إلى أن الأستاذ الذي يفترض أن يكون منتجًا للمعرفة، سيجد نفسه مضطرًا لتأمين دخله عبر مهام إضافية أو عمل إضافي خارج الجامعة، على حساب تنمية قدراته وتفرغه للتدريس والبحث والإشراف ومع الوقت، لا تتراجع جودة الإنتاج العلمي فقط، بل تتأثر قدرة الجامعات وتتأكل وتدهور، ومع تضاؤل العائد واستمرار الضغوط، تتجه الكفاءات إلى بدائل أكثر استقرارًا مثل استقالات أو انتدابات كلية لجامعات خاصة او أهلية، أو فرص خارجية، مثل الهجرة والتي لا تأتي بدافع الطموح فقط، بل كاستجابة منطقية لاختلال التوازن بين الجهد والعائد.

واقترح الأكاديمي بجامعة حلوان، تعديل جدول الرواتب القائم منذ عام ١٩٨٣ والمحتوى على قيم بالقروش ولازال يطبق بنفس القيم  حتى الآن، بحساب المتغيرات على أساسي نفس العام وليس على أساسي عام ٢٠١٥، مع أهمية إنشاء صندوق تعويضي للمعاشات على غرار باقي الكادرات الخاصة الأخرى التي لها صندوق يعوض فارق المرتب والمعاش، وأن حساب المتغيرات للجميع بالتساوي ومن يرفض تكليفه بمهام يخصم منه قيمتها وليس الذي يقتنص الفرصة ويتصارع للوصول لمهمة يأخذ مقابلها.

تساؤلات حول عزوف أوائل الخريجين عن التعيين بالجامعات

في طرح لافت يعكس حجم الأزمة داخل الوسط الأكاديمي، تساءل الدكتور مجدي عبدالعال، أستاذ كيمياء البوليمرات بجامعة المنصورة: لماذا لم يعد أوائل الخريجين يقبلون العمل في الجامعات كما كان في السابق؟ معتبرا أن المسار الأكاديمي لم يعد بالنسبة لكثيرين ذلك الحلم المرموق، بل أصبح عبئا طويل الأمد لا يوازيه تقدير مادي أو معنوي.

وأوضح أن سنوات الدراسة والبحث، من الماجستير إلى الدكتوراه وما يليها من ترقيات، باتت رحلة مرهقة يتحمل خلالها الباحث أعباء مالية ومهنية كبيرة، في وقت لا تعكس فيه الرواتب حجم الجهد المبذول، لتتحول المهنة الأكاديمية في نظر البعض إلى مسار “شاق بلا مردود عادل”.

وأشار لـ كشكول إلى أن فتح باب الهجرة أمام الكفاءات يؤدي إلى نزيف في العقول المتميزة، حيث يغادر كثيرون ولا يعودون، بينما يبقى في الجامعات نمطان: الأول لا يرتبط فعليًا بالبحث العلمي ويعتبر الجامعة مجرد واجهة اجتماعية أو محطة جانبية، والثاني مضطر للبقاء بسبب ظروف أسرية أو اجتماعية، لكنه يتحمل عبء العمل كاملًا دون دعم كافٍ، وهو نمط يتناقص تدريجيًا مع الوقت.

وانتقد ما وصفه بالفجوة بين صانع القرار والواقع الأكاديمي، معتبرا أن كثيرا من السياسات تدار بعيدًا عن معاناة الباحثين، لتبقى شعارات "تطوير التعليم" وربط الجامعة بالصناعة دون أثر ملموس، في ظل غياب التقدير الحقيقي للعنصر البشري الذي يمثل أساس العملية التعليمية والبحثية.

وحذر من استمرار الأوضاع على ما هي عليه، مؤكدًا أن تجاهل الاستثمار في العنصر البشري داخل الجامعات يمثل “قتلا للجذور”، مشددًا على أن تطوير المناهج لن يحقق نتائج حقيقية ما دام الأستاذ يعاني من ضغوط المعيشة، وما دام الباحث يُجبر على تمويل أبحاثه من دخله المحدود.

ويرى أن المأساة الأكبر تكمن في طريقة إدارة المنظومة الأكاديمية، مشيرا إلى أن القائمين عليها في كثير من الأحيان لا ينتمون إلى التجربة الجامعية الفعلية، إما لعدم مرورهم بتحديات البحث العلمي والنشر والترقيات، أو لانفصالهم عنها بعد التقاعد منذ سنوات، ما يجعل قراراتهم بعيدة عن الواقع.