السبت 07 مارس 2026 الموافق 18 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
جامعات

توجيهات رئاسية بإعادة رسم خريطة التخصصات الجامعية.. خبراء يضعون لـ"كشكول" روشتة التنفيذ والتطوير

الرئيس السيسي
الرئيس السيسي

 

وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بمراجعة شاملة لخريطة التخصصات في الجامعات، مع العمل على إلغاء أو تقليص التخصصات التي لم تعد تلبي احتياجات سوق العمل، مؤكدا أن الدولة لا ينبغي أن تستمر في تخريج دفعات من تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، وأن هناك ضرورة لاتخاذ قرارات واضحة بشأن هذه التخصصات، مضيفًا: «قولوا للناس إن إحنا آخر دفعة هتتخرج من التخصص ده السنة دي أو السنة الجاية، لأنه ملوش شغل».


توجيهات رئاسية بشأن التخصصات الجامعية


كما أكد الرئيس السيسي، ضرورة إعداد جيل جديد قادر على تحمل المسؤولية ومواكبة متطلبات الدولة الحديثة، مشددًا على أن إهدار سنوات الدراسة في تخصصات لا توفر فرص عمل حقيقية يعد خسارة كبيرة للطلاب وللمجتمع.


ويرى خبراء متخصصون، أن ربط التعليم بسوق العمل يعد أحد الخطوات الأساسية لزيادة فرص العمل للخريجين، حيث يمكن للطلاب اكتساب مهارات عملية ومهنية تتناسب مع احتياجات الشركات والمؤسسات، مشيرين إلى أن هذا التحرك يساهم في تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل. 


تخصصات يتزايد عليها الطلب


وتأتي كليات علوم الحاسب وتكنولوجيا المعلومات في مقدمة التخصصات التي يتزايد الطلب عليها عالميًا، مع التوسع الكبير في الاقتصاد الرقمي واعتماد المؤسسات على التكنولوجيا في مختلف القطاعات، ومن أهم التخصصات المطلوبة "الذكاء الاصطناعي - علم البيانات وتحليل البيانات الضخمة - الأمن السيبراني - تطوير البرمجيات والتطبيقات - هندسة الشبكات".


وحسب الخبراء، فإن الطلب على وظائف تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي سيشهد نموًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة، مع توسع الشركات العالمية في استخدام التكنولوجيا المتقدمة، والإشارة إلى أن هذا التوجه يساهم في تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.

"كشكول".. عير السطور التالية استعرض آراء خبراء حول التوجيه الرئاسي في الجامعات وما يحتاجه سوق العمل..


قال الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي بجامعة عين شمس، إن الرئيس السيسي لم يحدد أي تخصصات يجب إعادة النظر فيها، وبالتالي فإن هذا الأمر يجب أن تحكمه لغة الأرقام والاحصائيات، وتحديد التخصصات التي توجد وفرة في خريجيها سواء علمية أو إنسانية أو هندسية وغيرها، والتخصصات التي توجد ندرة وطلب على خريجيها.


وأضاف شوقي، أن روشتة الحل تبدأ من هنا سواء بتخفيض أعداد المقبولين أو منع إنشاء نفس التخصصات في الجامعات الجديدة سواء الأهلية أو الخاصة أو دمج بعض التخصصات ذات الطبيعة المتشابهة، أو استحداث برامج جديدة في التخصصات التقليدية لتساير روح العصر، والتوسع في التخصصات الجديدة والمطلوبة. في كل الاحوال فان كلمة السر هي الإحصائيات".

 

وتابع: “بالمناسبة ما دام البعض يرى أن كليات التجارة من الكليات التي يجب إعادة النظر فيها، فلم تم إنشاء مسار خاص بها في البكالوريا؟ واتاحة القبول بكليات التجارة لكل المسارات في البكالوريا عدا مسار الأداب؟!.. وكان الأجدر قصر القبول بها على مسار الأعمال فقط، فضلا عن وجود التعليم الفني التجاري”، مشيرا إلى أن أغلب التخصصات أصبحت تقليدية ولا تلاءم احتياجات سوق العمل الحالي، وأن الكثير من التخصصات، حتى الحيوية منها كالطب، والزراعة، والطب البيطري، والعلوم، تعتمد على مناهج ومقررات قديمة لا تتسق مع روح العصر وتطوراته.


وبين شوقي، أن التحول الرقمي، أحدث تغيرا للخريجين في تخصصات مختلفة،  قائلا:" فبعد أن كانت الكليات تخرج 10 أو 20 شخصًا ليشغلوا 20 وظيفة، حل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محل هذه العمالة.


ولفت الخبير التربوي، إلى أن هناك تركيزا على العلوم النظرية حتى في الكليات العملية، مما أدى إلى افتقار الطلاب للمهارات العملية المطلوبة للتعامل مع واقع سوق العمل، لاسيما أنه يوجد توسع رأسي وأفقي كبير، ففي الجامعات الحكومية "28 كلية" نجد تكرارًا لنفس الكليات مثل التجارة، والآداب، والتربية.


كما أكد شوقي، أن هذا التكرار موجود أيضا في الجامعات الخاصة والأهلية، مما أدى إلى وجود فائض ضخم من الخريجين يفوق احتياجات سوق العمل بكثير، مشيرا إلى أن إجراء دراسات جادة تشمل أرقامًا وإحصائيات حول أعداد خريجي الكليات المختلفة سنويًا من كافة الروافد “حكومي، خاص، أهلي، معاهد عليا” ومقارنتها باحتياجات سوق العمل الفعلية لتحقيق نوع من التوافق.


ورأى الخبير التربوي، ضرورة دراسة مجالات العمل المختلفة لتحديد المهارات التي يحتاجها الخريج، ومن ثم تعمل الكليات على تنمية هذه المهارات لدى الطلاب أثناء فترة الدراسة، فضلا عن إدخال برامج حديثة دمج الذكاء الاصطناعي في كافة التخصصات "الإعلام، البنوك، التسويق الرقمي، الإدارة، وحتى الآداب"، مشددا على أنه يجب دمج هذه الأقسام أو تقسيمها إلى تخصصات فرعية لمنع التكرار، بدلًا من تكرار الأقسام داخل الجامعة الواحدة (مثل وجود قسم علم النفس في كليات الآداب، والتربية، والتربية النوعية، والتربية الرياضية)، مع إمكانية تفريغ بعض الكليات من طلاب المرحلة الجامعية الأولى وتحويلها إلى كليات للدراسات العليا فقط، كما هو مقترح في بعض كليات التربية أو العلوم السياسية.


ويرى الدكتور وائل كامل، الخبير الأكاديمي بجامعة حلوان، أن المقصلة القادمة في التخصصات العلمية، مشيرا إلى أن هناك تخصصات جامعية "لها لازمة" لأن سوق العمل يطلبها، وأخرى "ملهاش لازمة" لأن خريجيها ينضمون لصفوف البطالة.


وتابع كامل، أن المشكلة ليست في طبيعة هذه التخصصات، بل في غياب التخطيط المتكامل الذي يربط التعليم بالاقتصاد والتجارة والزراعة والسياحة وتنمية المجتمع وتطويره؛ فسوق العمل لا ينشأ من تلقاء نفسه، بل تصنعه السياسات والخطط التنموية التي تتبناها الدولة، موضحا أن مسؤولية خلق الوظائف لا تقع على عاتق الجامعات وحدها، بل هي مهمة الحكومة والوزارات المعنية بوضع السياسات الصناعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية وباقي القطاعات.


كما أكد كامل، أن التجارب العالمية تثبت أن الدول المتقدمة لم تنتظر "ظهور" سوق العمل لفتح تخصصات كالهندسة النووية أو الذكاء الاصطناعي وصناعة البرمجيات والهاردويير، بل استثمرت في هذه القطاعات أولًا واستعانت بالتخصصات الانسانية وعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة لتساندها في تكامل واضح لمساعدة بناء الانسان المتكامل القادر على العطاء والإنجاز، مما خلق طلبًا تلقائيًا على الكوادر المؤهلة. هنا يصبح التعليم شريكًا في صنع السوق وليس مجرد تابع له، أما في غياب الخطة الواضحة، يصبح من السهل اتهام التخصصات بأنها "بلا فائدة" بدلًا من البحث عن جذور المشكلة.

 

وأوضح الخبير الأكاديمي، أن الواقع يكشف عن تناقض صارخ؛ فبينما يروج لفكرة إلغاء تخصصات معينة لعدم جدواها، نجد توسعًا كبيرًا في افتتاح جامعات خاصة وأهلية تُعامل كأنها "الابن المدلل" الذي يحظى بكل الدعم والتسهيلات، لتقدم نفس هذه التخصصات بنفس محتوى مناهجها  تقريبًا بأسماء براقة لجذب الطلاب وتحصيل مصروفات مرتفعة وبأوكازيونات في مجاميع القبول وتسهيلات وصلت لدرجة محاولة قبول طلاب سنة تمهيدية دون شرط المجموع، مبينا أن الأخطر من ذلك هو ظهور أزمات تتعلق بالاعتراف المهني بالخريجين من قبل العديد من النقابات المهنية ورغم ذلك لازالت الافتتاحات مستمرة والجامعات الاعلية والهاصة في ازدياد، وخاصة في المجالات الهندسية والطبية والتي تفتقر للمستشفيات التعليمية ومنظومات التدريب المتكاملة والتي قد تنتج مؤهلات خريج ضعيف يضر المجتمع اكثر ما يفيده.

 

وتابع: "في مقابل هذا "التدليل"، تُركت الجامعات الحكومية تواجه مصيرها بموازنات ضعيفة لا تكفي لتحديث معاملها أو دعم باحثيها، والتدخل في اختيار قياداتها بدون معايير قابله للقياس بدقة، ورواتب ضعيفة تجعل الاستاذ الجامعي يصنف ضمن محدودي الدخل، مما أدى لـ "تآكل" جسدها من الداخل. فقد تسبب إهمال الميزانيات وضعف الرواتب في خطف كفاءات الجامعة الحكومية وعلمائها لصالح التعليم الخاص والأهلي الذي يجذبهم بمزايا مادية تعجز الدولة عن توفيرها وقد يخضع لضغوطات في تبسيط مادته وامتحاناته لتحقيق نتائج مرتفعة، مما يهدد جودة التعليم الذي يخدم قطاعًا عريضًا من أبناء الشعب.. وعلى جانب آخر، تظل التخصصات الإنسانية والاجتماعية ضحية لنفس المنطق المادي الضيق، رغم أنها ضرورية لفهم المجتمع وتطوير الوعي العام."

 

واعتبر الخبير الأكاديمي، أن إن اختزال أزمة التعليم في جملة "تخصص مفيدوتخصص لا" هو هروب من القضية الحقيقية؛ وهي ضرورة وجود رؤية سياسية واقتصادية شاملة تخلق  طلبًا حقيقيًا على المهارات، والتوسع في التخصصات البينية وتغيير نظم الترقي لتهتم بالابحااث المشتركة التي تخلق تخصصات جديدة دون قياس مساهمة الباحث بالسنتي والسطر، وبدلًا من إضعاف الجامعات الحكومية وترك الخريج يواجه واقعًا لم يشارك أحد في التخطيط له، نهتم بتطوير مناهجه ونقنن اعداد القبول في التخصصات التي توسع القبول فيها لمجرد استيعاب المجاميع المنخفضة.