الأوقاف تنشر خطبة الجمعة القادمة بعنوان "آيات الله في بدر"
آيات الله في بدر.. تحت هذا العنوان نشرت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية تعميم خطبة الجمعة القادمة في مساجد مصر.
الهدف: استلهام روح التأييد الإلهي وتعميقه في الوجدان، وبث روح اليقين إذا ألمت بنا الأزمات
آيات الله في بدر
الحمد لله رب العالمين، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وأصلي وأسلم على سيد الوجود وسيد كل موجود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن من أعظم الأيام في تاريخ الإسلام يومًا سماه الله تعالى في كتابه يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وهو يوم أظهر الله فيه دينه، وأعلى فيه كلمته، إنه يوم بدر.
يظلّ يوم بدر علامة مضيئة في تاريخ الأمة، لا لأنه كان أول مواجهة كبرى فحسب، بل لأنه كان ميدانًا تجلّت فيه آيات الله ونصره لعباده المؤمنين، ففي تلك اللحظات الفارقة، خرج المسلمون بعدد قليل وعدّة متواضعة، لكنهم خرجوا بقلوب معلّقة بالله، فكان التأييد الإلهي هو الفارق الحقيقي في المعركة.
إن أعظم آيات بدر لم تكن في سقوط جيشٍ أمام آخر، بل في تحوّل الخوف إلى طمأنينة، والقلّة إلى قوة، والضعف إلى ثبات، هناك تعلّم الصحابة أن النصر يولد أولًا في القلب؛ فإذا امتلأ القلب يقينًا بالله، هان كل عدوّ، وصغرت كل عقبة، وهكذا صارت بدر درسًا خالدًا بأن الأزمات مهما اشتدت، فإن وراءها لطفًا إلهيًا خفيًا.
وحين نمرّ اليوم بأزمات شخصية أو جماعية، نستحضر روح بدر لا لننتظر معجزة خارقة، بل لنجدد معاني الثقة بالله والعمل بالأسباب، فالتأييد الإلهي لا ينفصل عن الصدق والإخلاص والصبر، وإذا كان الله قد نصر قلة مستضعفة لأنها صدَقت معه، فإن أبواب معيته مفتوحة لكل من صدق التوجّه وأحسن الاعتماد عليه.
إن استلهام آيات بدر يعني أن نغرس في وجداننا يقينًا لا يتزعزع: أن الشدة لا تعني الهزيمة، وأن ضيق الواقع لا يلغي سعة القدرة الإلهية، فكما أشرق فجر النصر في بدر بعد لحظات الترقب والخوف، فإن فجر الفرج قادر أن يشرق في حياتنا، متى ثبتنا على الحق، وأحسنا الظن بربنا، واستمددنا من بدر روح الثبات واليقين.
يوم بدر انتصار على النفس قبل العدو الخارجي:
إن قول الصائم إذا شاتمه أحد أو سابّه: "إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ" ليس مجرد إخبار، بل هو إعلان انتصار على شيطان الغضب، وتذكيرٌ للنفس بقدسية الحالة التي تعيشها، فمن ملك لسانه عند الاستفزاز وهو جائع، فهو لمن سواه أملك.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [متفق عليه].
وقال سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري: "إذا صُمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء". [لطائف المعارف لابن رجب].
قال سفيان الثوري: "مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشدَّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي، مَرَّةً عَلَيَّ وَمَرَّةً لِي". [سير أعلام النبلاء].
وقال الحسن البصري: "ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك". [إحياء علوم الدين].
وقال يحيى بن معاذ الرازي: "جاهد نفسك بأسياف الرياضة، والرياضة على أربع أوجه: القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات". [إحياء علوم الدين].
إن من أولى معالم الانتصار التي ترسخت في نفوس المسلمين آنذاك، هو الانتصار على شهوات النفس وحب الدنيا من مال وولد، وتوجيه الطاقات نحو الطاعة والالتفاف حول القيادة، رغبة في بناء كيان الأمة وحماية أوطانها.
ويتجلى هذا المعلم في قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليَّ أيها الناس..." والنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول وهو بصدد شحذ الهمم والنفوس لملاقاة الأعداء، فقال له سيدنا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رضي الله عنه: قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدْتَ، فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ نَلْقَى عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ".
إنها مقالة صدق تعكس الحب الحقيقي للقيادة الراشدة، والولاء الحقيقي للوطن، وفي سبيل هذا تبذل الأنفس والأموال، وهذا ما تمثل في مواقف الصحابة من الرعيل الأول، فلا تلكأ ولا تردد، ولا انهزام.
إظهار الافتقار والانكسار هو باب النصر والمدد والعطاء:
من المعالم الجلية ما نلمحه في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: ٩] فالآية تقرر طلب الغوث والمدد من الله تعالى، بالافتقار والخضوع بين يديه، فلم تكن بدرٌ يومَ عَتادٍ وعدد، ولا ميدانَ عُدَّةٍ واستعدادٍ فحسب، بل كانت قبل ذلك كله ساحةَ افتقارٍ صادقٍ إلى الله، وتجردٍ كاملٍ من حول النفس وقوتها.
لقد خرجوا لا يملكون إلا يقينًا يُحرِّك الأكفَّ نحو السماء، وقلوبًا تطرق أبواب الرجاء، فكان دعاؤهم عنوان عبوديتهم، وكانت دموعهم شهادة صدقهم، وجعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: ٩]، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ. [رواه مسلم].
ولما أظهر الصحابة عجزهم وأتوا باب الله تعالى بالانكسار ومظهرين الذل والافتقار لله جل وعلا كان العطاء حليفهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣]، وذلتهم: "ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد، وَقِلَّتُهم: أنهم كانوا ثلاث مئة وبضعة عشر، وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مئة فرس، ومعهم السلاح والقوة". [الكشاف عن حقائق التنزيل].
وختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرًا ما تنتصر على الكثرة الظالمة.
كانت الاستغاثة في بدر حالًا يُعاش؛ كانت إعلانًا عمليًا بأن النصر لا يُستمد من كثرةٍ ولا من عتاد، وإنما يُستمد من ربِّ العباد، فجاء الجواب الإلهي سريعًا حاسمًا: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}، ليعلم المؤمنون أن من طرق باب الله بصدقٍ فُتح له، ومن ألقى بين يديه قلبًا منكسرًا رفعه وأعزه.
وهكذا تقرر الآية أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان: أن الافتقار إلى الله عِزٌّ، وأن الخضوع بين يديه رفعة، وأن العبد إذا تبرأ من قوته أوى إلى قوةٍ لا تُغلب، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: ٦٢]، فالمضطر أقرب إلى الإجابة، لأن اضطراره يُصفّي قلبه من علائق الاعتماد على غير الله.
فطوبى لقلبٍ عرف معنى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}، وعاشها في شدته ورخائه؛ إذ بها تُصنع الانتصارات، وبها تُكتب الكرامات، وبها يتحقق وعد الله: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [الأنفال: ١٠].


