الثلاثاء 24 فبراير 2026 الموافق 07 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
مقالات

د.وائل كامل يكتب: "الجامعات ليست سينما تبحث عن نجم شباك لرفع مصروفاتها"

د.وائل كامل
د.وائل كامل


طالعتنا الصحف بخبر طلب إحاطة برلماني للاستعانة بالعلماء المصريين في الخارج لسد العجز، وهنا لابد من طرح سؤال للبرلمان اليس الأفضل هو تحسين دخل استاذ الجامعة المتوقف راتبه عند أساسي 2015، وأصبح يصنف ضمن فئة محدودي الدخل،  اليس الأفضل هو إعادة النظر في نظم اختيار القيادات وطرق محاسبتها على برامجها ونظام إدارتها وتطوير مناهجها، وخدمة المجتمع والبيئة المحيطة، ونظام الاستفادة من مشروعات التخرج وبراءات الاختراع.

 

الاستعانه بعلماء مصر في الخارج قد تكون مدخلًا لإصلاح حقيقي.. وقد تتحول إلى خطوة دعائية وشو بلا مضمون.

الفرق لا يصنعه اسم العالم ولا بلد شهادته، بل الهدف من استدعائه، هو التأثير في البيئة التي سيُطلب منه العمل داخلها وقدرته على تغيير وإصلاح السلبيات.

أولًا: مسألة الرواتب لا يمكن تجاهلها.


حين نتحدث عن متوسط دخل يعادل نحو 10 دولارات يوميًا للأستاذ الجامعي في الجامعات الحكومية بمصر، أو حتى 30 دولارًا يوميًا في بعض الجامعات الأهلية والخاصة، فالسؤال يصبح منطقيًا:


هل يمكن مقارنة هذا بما يحصل عليه أستاذ جامعي في جامعة مرموقة بالخارج؟

 

في كثير من الجامعات في أوروبا وأمريكا الشمالية، يتراوح الدخل السنوي للأستاذ بين ما يعادل 80 إلى 150 ألف دولار سنويًا (وأحيانًا أكثر حسب التخصص والخبرة).


هذا يعني أن الأجر قد يصل في المتوسط إلى 40–80 دولارًا في الساعة الواحدة أو أكثر، بخلاف مزايا التأمين الصحي، ودعم البحث، وتمويل السفر العلمي، وحصص من عوائد الاستشارات أو براءات الاختراع.

المقارنة هنا ليست لإثارة الانبهار، بل لطرح سؤال واقعي:


هل المشكلة فقط في جذب عالم بالاسم؟ أم في الفجوة الضخمة بين بيئتي عمل مختلفتين تمامًا؟

ثانيًا: الفارق في القوانين والإدارة.


في جامعات متقدمة، توجد تشريعات واضحة تنظم تحويل البحث إلى منتج، وتدعم إنشاء شركات ناشئة من داخل الجامعة، وتحدد نسبًا عادلة للباحث من عوائد الابتكار.


أما إذا كانت اللوائح محليًا معقدة، والموافقات متعددة، والقرارات مركزية وبطيئة، فلن يستطيع أي خبير – مهما كانت خبرته – أن يُحدث فرقًا حقيقيًا.

ثالثًا: نظم اختيار القيادات والترقية.


في كثير من الجامعات المتقدمة، يتم اختيار القيادات عبر منافسة معلنة وبرامج واضحة ومحاسبة على النتائج.
الترقية تعتمد على الجودة والتأثير، لا على عدد الأبحاث فقط.
بينما إذا استمر تقييم الأداء بعدد الأوراق المنشورة دون اعتبار حقيقي للأثر المجتمعي أو الصناعي، سنظل ندور في دائرة شكلية. قد يكون بحث واحد تطبيقي يخدم الاقتصاد أهم من عشرات الأبحاث التي لا تتجاوز صفحات المجلات.

رابعًا: خطر “تسليع” الفكرة.


إذا كان الهدف من الاستعانة بعالم بالخارج هو فقط وضع اسمه في الدعاية باعتباره “خبيرًا دوليًا” لرفع المصروفات وجذب الطلاب، فهذه ليست سياسة تعليم، بل تسويق تجاري.


الجامعة ليست دار عرض تبحث عن “نجم شباك” لزيادة التذاكر.


التعليم العالي ليس منتجًا دعائيًا، بل منظومة معرفة وبحث وخدمة مجتمع.

 

المبالغة في بزنسة التعليم قد ترفع الإيرادات سريعًا، لكنها تضعف الجودة، وتخلق فجوة بين الصورة المعلنة والواقع الفعلي، وتحوّل الأستاذ إلى أداة جذب، والطالب إلى عميل، والبحث العلمي إلى لافتة.

 

إذا سبقت الاستعانة بالعلماء إصلاحات حقيقية في الرواتب، والتشريعات، ونظم الإدارة، واختيار القيادات، ومعايير الترقية، ومنحت صلاحيات تنفيذية واضحة ومشروعات قابلة للقياس، فهي فرصة حقيقية.


أما إذا كانت مجرد اسم يُضاف إلى الموقع الإلكتروني لرفع المصروفات، فهي تخطيط خاطئ.

الجامعات تُبنى بأنظمة عادلة ومستقرة ومحفزة.. لا بأسماء لامعة تُستخدم في الإعلانات.