الثلاثاء 03 فبراير 2026 الموافق 15 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أزهر

دار الإفتاء تناقش "الفتوى والصحة" في جناحها بمعرض القاهرة للكتاب

كشكول

في إطار دَورها العلمي والتوعوي ومشاركتها الفاعلة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، نظمت دار الإفتاء المصرية ندوة فكرية بجناحها، تحت عنوان: "الفتوى والصحة" تناولت العلاقة بين الفتوى والمسائل الطبية في ظل التطورات العلمية المتسارعة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، وذلك بحضور نخبة من كبار العلماء والمتخصصين في الطب والشريعة، وجمهور كبير من زوَّار المعرض، وقد شارك في الندوة كلٌّ من فضيلة الأستاذ الدكتور محمود صديق نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، والأستاذ الدكتور عطا السنباطي عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، واللواء الدكتور فؤاد يونس رئيس قسم القلب بمستشفى القوات الجوية، بحضور فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

 

خلال الندوة، تناول اللواء الدكتور فؤاد يونس رئيس قسم القلب بمستشفى القوات الجوية ظاهرة لجوء بعض الأفراد إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الأطباء، محذرًا من أن هذا السلوك بات شائعًا داخل البيوت وبين الشباب، حيث يلجأ البعض فور شعوره بأي أعراض صحية إلى إدخالها في برامج الذكاء الاصطناعي والتعامل مع النتائج كما لو كانت تشخيصًا طبيًّا معتمدًا، وهذا الأمر قد يكون له جانب إيجابي محدود، كقراءة تحليل أو تقرير طبي، لكنه في المقابل يحمل مخاطر جسيمة، أبرزها فقدان السرية الطبية، وغياب التعاطف الإنساني الذي يمثل جزءًا أساسيًّا من العلاج، فضلًا عن خطورة الاعتماد على تشخيص مبني على بيانات ناقصة أو وصف غير دقيق للأعراض.

 

وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل الطبيب، لأن التشخيص الطبي لا يعتمد فقط على الأعراض المكتوبة، بل على التاريخ المرضي الكامل، والفحص الإكلينيكي، ومهارة الطبيب في الربط بين المعطيات المختلفة، وذلك أن بعض الأدوية التي قد يقترحها الذكاء الاصطناعي قد تكون لها آثار عكسية خطيرة على المريض، متطرقًا إلى استخدام التقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، مثل الجراحات الروبوتية، موضحًا أنها أكثر دقة بالفعل، لكنها مرتفعة التكلفة ولا تزال غير متاحة على نطاق واسع، والأصل أن يقود الإنسان هذه التقنيات لا أن يخضع لها. 

 

وانتقل الحديث إلى خطورة الفتاوى غير المنضبطة في القضايا الطبية، حيث شدد اللواء الدكتور فؤاد يونس على أن بعض الفتاوى الصادرة عن غير المختصين قد تشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، مستشهدًا بحالات مرضى مزمنين يتناولون أدوية للقلب أو الضغط أو السيولة، وقد يتعرضون لمضاعفات خطيرة إذا أُفْتُوا بالصيام أو بتغيير مواعيد العلاج دون فهم دقيق لحالتهم الطبية، مؤكدًا أن أي فتوى في هذا الإطار يجب أن تبنى على معرفة طبية دقيقة، وأن التكامل بين الطبيب والمفتي ضرورة لا غنى عنها.

 

بدَوره، أكد الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، أن العلاقة بين الفقه والطب علاقة تكامل لا انفصال، وأن العلوم جميعها خادمة لبعضها البعض، وأنه لا يمكن تصور فتوى صحيحة في القضايا الطبية دون الرجوع إلى أهل الاختصاص، تنفيذًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، موضحًا أن هذه القاعدة الشرعية ليست مبدأً نظريًّا، بل منهج عملي يحكم التعامل مع القضايا التي تمس حياة الإنسان وصحته ونفسيته، وأن الطبيب في المقابل لا يستطيع أن يعمل بمعزل عن الضوابط الشرعية، خاصة في المسائل التي تتعلق بحرمة النفس الإنسانية وكرامتها، مؤكدًا أن الفقيه والطبيب شريكان في المسؤولية، وأن أي خلل في هذا التكامل قد يؤدي إلى قرارات أو فتاوى تضر بالإنسان بدلًا من أن تحفظه.

 

وأشار نائب رئيس جامعة الأزهر إلى أن الأزهر الشريف أدرك مبكرًا خطورة القطيعة بين العلوم، فحرص على ترسيخ هذا التكامل المؤسسي، ومن هنا جاء إدخال مادة "الفقه الطبي" ضمن المناهج الدراسية بكليات الطب، حيث يدرسها سنويًّا ما يقرب من ثلاثة آلاف طالب وطالبة، ليس في فقه العبادات التقليدي، وإنما في القضايا الطبية المستجدة التي يواجهها الطبيب في واقع عمله، مثل: الموت الدماغي، ونزع الأجهزة الطبية، والخلايا الجذعية، والعلاج الجيني، وزراعة الأعضاء، وغيرها من الإشكالات المعاصرة التي تتطلب وعيًا شرعيًّا دقيقًا، موضحًا أن الطب من العلوم التجريبية التي تؤدي فيها الخبرة والتجربة دورًا محوريًّا، وهو ما يجعل رأي الطبيب عنصرًا أساسيًّا في بناء الفتوى، لأن الحكم الشرعي يتغير بتغير المعطيات العلمية الثابتة وضرب سيادته أمثلة بعدد من القضايا التي شهدت تطورًا في الرؤية الفقهية مع تطور المعرفة الطبية، مؤكدًا أن كثيرًا من المسائل التي كانت تُعد مباحة أو محل اجتهاد في فترات سابقة، قد يعاد النظر فيها إذا ثبت علميًّا أنها تضر بصحة الإنسان أو تمس كرامته.

 

وتوقف الدكتور محمود صديق عند بعض القضايا الاجتماعية والطبية الشائكة، موضحًا أن الفتوى لا تبنى على العادات أو الأعراف، وإنما على ما يحقق مقاصد الشريعة، وفي مقدمتها حفظ النفس، وهو المقصد الذي يتقدم على غيره عند التعارض، مؤكدًا أن الفقه الإسلامي يمتلك من المرونة والأدوات الأصولية ما يجعله قادرًا على استيعاب المستجدات، بشرط أن يمارس الاجتهاد في إطاره المؤسسي، وبالاعتماد على الخبراء والمتخصصين. وشدد على أن مواجهة الخرافات الطبية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تكون إلا بفتوى رشيدة، مؤسَّسة على العلم والتجربة، وتعاون حقيقي بين المؤسسات الدينية والطبية، فهذا النهج هو الكفيل بحماية المجتمع، وصون صحة الإنسان، وتحقيق مقاصد الشريعة في صورتها المتكاملة.

 

من جانبه، أكد الدكتور عطا السنباطي، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أن الفتوى الصحيحة لا تبنى على مجرد معرفة الحكم الشرعي أو استحضار النصوص الفقهية، وإنما تقوم في الأساس على اكتمال التصور الدقيق للحالة المعروضة، وأن الخلل في التصور أخطر من الخطأ في الحكم ذاته، مبينًا أن المفتي مطالب بأن يمتلك مهارات خاصة في التعامل مع السائل، من أهمها الصبر، وطول النفس، والقدرة على التحقيق والاستفسار، وضرب مثالًا بعمل الطبيب الذي لا يمكنه وصف الدواء قبل استكمال التشخيص الطبي وفهم تاريخ المريض وحالته النفسية والجسدية.