قصه 200 عام.. قصر العيني قوه مصر الناعمه ومحرك النهضه الطبيه في العالم
بينما تقترب مدرسة طب قصر العيني من مئويتها الثانية، تطل علينا ذكرى تأسيسها عام 1827 في "أبو زعبل" كملحمة فكرية لم يكن بطلها المشرط فحسب، بل كانت الجرأة في مواجهة قيود اجتماعية ودينية صلبة حول "حرمة الجسد". وقد كان مؤسسها "أنطوان بارتليمي كلوت" (كلوت بك) يدرك تمامًا حجم المعركة التي هو مقبل عليها، حيث سجل في مذكراته بعمق قائلًا: "إن إنشاء مدرسة للطب كان يستلزم، بالضرورة، افتتاح دورة لتدريس علم التشريح؛ لأنه بدون الدراسات التشريحية لا وجود للطب. لقد وضعتُ لنفسي هدفًا رئيسيًا وهو إعداد أطباء وطنيين، وكنت حريصًا جدًا على تحقيق ذلك في هذا البلد الجميل (مصر). لقد كانت مغامرة كفيلة بإثارة خيال متقد مثل خيالي، وكان نجاحها سيفتح لمصر عصرًا جديدًا، ويعكس بريقًا من المجد على فرنسا".
ولكي يفتح هذا العصر الجديد، كان على كلوت بك أن يجد مدخلًا ذكيًا للمؤسسة الدينية، فاستغل فرصة مرضه "شيخ الإسلام العروسي" وقيامه بعلاجه ليوثق صلة إنسانية مكنته من طرح القضية الشائكة. وحين عرض على الشيخ ضرورة التشريح للطلاب، استخدم تشبيهًا عبقريًا لامس عقل العالم قائلًا: "إن صانع الساعة لا يستطيع إصلاح الساعة إلا إذا عرف طريقة عملها بالكامل، ولكي يفعل لابد له من تفكيك أجزائها بالكامل وإعادة تجميعها". وهنا، وفي ظل الثقة التي تبدت من رحلة العلاج، نصحه الشيخ العروسي بممارسة التشريح ولكن "في سرية وحيطة شديدين". ورغم هذا السند، اندلعت عواصف الرفض الشعبي استنادًا إلى نصوص دينية فُسرت بجمود مثل "ولقد كرمنا بني آدم"، حتى بلغ الاحتقان ذروته عام 1829، حين حاول أحد الطلاب اغتيال كلوت بك بسكين داخل المشرحة مستهدفًا رأسه وقلبه، لكن كلوت بك نجا بهدوء أسطوري وواصل درسه، مما دفع الشيخ المستنير "حسن العطار" للوعظ العلني لإفهام الطلاب أن التشريح في مدرسة الطب "مباح" وضروري لحفظ حياة الأحياء.
وفي مذكراته، يستطرد كلوت بك في وصف تلك الاستراتيجية المعقدة لتفكيك الرفض قائلًا: "كنت أتوقع عقبات لا تذلل؛ فالدين كان يمنع بشدة انتهاك حرمة جثث المؤمنين، والتحيز القومي الذي يكره كل ما يأتي من الأجانب كان سيزيد من شدة المقاومة. لكن كان هناك حل أخير، وهو إقناع العلماء بأن لا خوف من انتهاك الحرمة، لأن التشريح سيتم على جثث لغير المسلمين من السودان، ممن جُندوا في الجيش وكانت نسبة الوفيات بينهم كبيرة. بناءً على هذه الشروط، سُمح لي بالعمل. بدأت دراسات تشريح العظام على هيكل عظمي أحضرته معي من فرنسا، وسرعان ما بدأت أيدي الطلاب المترددة في المدرسة تمسك بالمشرط بثبات فوق الجثث".
ولم يكن هذا التحول ليثبت لولا استناد المؤيدين إلى تراث إسلامي يقدس الأبدان كقدسية الأديان؛ مستشهدين بقول الإمام الشافعي: "العلم علمان، علم الأديان وعلم الأبدان، ولا يقوم علم الأبدان إلا بتعلم التشريح ووظائف الأعضاء"، وقول ابن رشد: "من اشتغل بالتشريح ازداد إيمانًا بالله". كما استلهموا من "الزهراوي" تحذيره في كتاب "التصريف" من جهل الجراح بعلم التشريح، ضاربًا المثل بطبيب تسبب في وفاة امرأة بعد أن شق على ورم في عنقها فأصاب الشرايين لجهله بتركيب الجسد. وتظل "لوحة التشريح" في متحف قصر العيني اليوم هي الوثيقة البصرية الأهم، حيث تخلد مشهد العلماء والمشايخ وهم يرقبون أول درس تشريح عملي عام 1827، وتعتليهم أسماء عمالقة مثل ابن سينا صاحب كتاب القانون في الطب والمرجع الاساسي للطب في اوروبا لقرون، والرازي مؤسس الكيمياء الحديثه، وابن الهيثم عالم الفيزياء والبصريات وواضع اسس المنهج العلمي الحديث، وجابر بن حيان الملقب بابو الكيمياء الذي نقل الكيمياء من الغموض الى العلم التجريبي، وابن النفيس مكتشف الدوره الدمويه الصغرى الرئويه، والبيروني العالم الموسوع البارع في الفلك والجغرافيا والصيدله، وابن البيطار امام النباتيين وعلماء العقاقير؛ لتربط نهضة مصر الحديثة بجذورها العلمية العظمى.
واليوم، ومع اقتراب الاحتفال بالقرن الثاني، تتردد أصداء كلمات كلوت بك الفخورة في مذكراته كشهادة حق للتاريخ حيث قال: "في الوقت الحالي، يتم تدريس الطب والجراحة والمواد الطبية في مصر بواسطة أساتذة وطنيين. أليس هذا هو تتويج للعمل الشاق الذي بدأ في عام 1827؟ أليس من حقي أن أشعر بالفخر المشروع لمساهمتي الكبيرة في هذه النتيجة الهائلة؟".