بعد واقعة فتاة الصف.. الأزهر محذرًا من شائعات الأعراض: القتل بدعوى الشرف جريمة
حذر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، من خطورة تداول الشائعات والاتهامات المتعلقة بالأعراض، مؤكدًا أن الخوض واللمز قد يتطور إلى جرائم تهدد استقرار الأسر والمجتمع، مشددًا على أن القتل بزعم الحفاظ على الشرف جريمة، وأنه لا عقوبة خارج إطار القانون.
وقال: «من الخوض واللمز إلى جريمة القتل.. الشائعات تُكَدِّرُ الصَّفْوَ العامَّ والسِّلْم المجتمعي، والقتل بزعم الحفاظ على الشرف جريمة، ولا عقوبة خارج إطار القانون، وميزان الشريعة تحقيقٌ للعدالة وحفظٌ للمجتمع ومنعٌ للانحرافات».

الأزهر: صيانة الأعراض من مقاصد الشريعة
وأوضح المركز أن صيانة الأعراض من مقاصد الشريعة العظيمة، مشيرًا إلى أن الإسلام شدد في أمر اتهام الأعراض، ولم يجعل الظنون أو الشكوك أو الشائعات مسوغًا للإدانة، ورتب على الاتهام دون بينة العقاب الدنيوي والأخروي، حيث قال: «صيانةُ الأعراض من مقاصد الشريعة العظيمة، ولذلك شدَّد الإسلام في أمر اتهام الأعراض، ولم يجعل الظنون أو الشكوك أو الشائعات مُسَوِّغًا للإدانة، ورتَّب على الاتهام دون بيِّنة العقابَ الدنيويَّ والأخرويَّ».
واستشهد بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 4-5]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23].»
حكم القتل بدافع الشرف
وشدد الأزهر للفتوى على حرمة الدماء، مؤكدًا أنه لا يجوز اتخاذ الغيرة أو الشرف مبررًا لارتكاب جريمة قتل، كما لا يجوز إقامة الأحكام أو الحدود بناءً على الدعاوى والشكوك.
وأضاف: «حُرْمَةُ الدماء من أعظم الحُرُمات في الإسلام، فلا يجوز أن تُزهَقَ النفسُ التي كرَّمها الله، ولا أن يُتَّخَذَ من الغيرة أو الشرف مبررًا لجريمة القتل دون بيِّنة واضحة، وبمخالفة أحكام الشرع والقانون»، مستندًا إلى قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33].
وتابع: الأعراض لا تُصان بالاعتداء، والشكوك لا تُبيح الدماء، ولا تُقام الأحكام والحدود بمجرد الدعاوَى، وإذا كان الحد يُدرأُ بالشبهة قضاءً؛ لقول رسول الله ﷺ: «ادرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبهاتِ» [أخرجه الترمذي]، فإن درءَ الاتصاف بالجريمة وعقوبتها من المجتمع أولى وأوكد متى تطرَّق إلى الاتهام الجهالةُ والشكُّ والاحتمال».
الأزهر: لا يجوز للأفراد تنفيذ العقوبات بأنفسهم
وأكد المركز أن وقوع المتهم في الخطأ، حتى إذا ثبت، لا يمنح الأفراد أو أقاربه حق استيفاء العقوبة الجنائية بأنفسهم، موضحًا أن التعامل مع الوقائع الجنائية يجب أن يكون من خلال الجهات المختصة.
وذكر:«ما يقع فيه المتهم من الخطأ لا يجعل للأفراد -ولو كانوا أقرباء- حقَّ استيفاء العقوبة الجنائية بأنفسهم، ولا يجوز لأحد أن يُنَصِّبَ نفسه قاضيًا ومنفِّذًا للعقوبة في آنٍ واحد؛ وإنما يُرفَعُ الأمر إلى الجهات المختصة، لتتولَّى التحقُّق والفصل فيه وفق الشرع والقانون».
وأشار إلى أن ثبوت الخطأ لا يبرر ارتكاب جريمة أكبر، مؤكدًا أهمية دور الأسرة في التربية والمتابعة وتقويم السلوك، والاستعانة بأهل الاختصاص عند الحاجة.
واستطرد: «إذا ثبت وقوع الخطأ بالفعل، فلا يُعالَجُ الخطأ بخطأ أعظم، كإزهاق الروح وقتل النفس؛ وإنما يكون التعامل بما يُحقِّق الإصلاح ويُعيد المخطئ إلى الجادة، وهنا تظهر مسؤولية الأسرة في التربية والمتابعة، وحسن التنشئة، وتقويم السلوك، والتهذيب والتأديب، ومعالجة أسباب الانحراف بالحكمة والنصح والإرشاد، والاستعانة بأهل الاختصاص عند الحاجة؛ حتى يعود المخطئ عن خطئه، ويستقيم سلوكه، ويُصان المجتمع من تكرار الخطأ وآثاره».
حكم تداول الشائعات عبر مواقع التواصل
وحذر المركز من خطورة تداول الشائعات والاتهامات المتعلقة بالأعراض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن إعادة نشر تلك الاتهامات أو التفاعل معها قد تسهم في زيادة الضغوط على الأسر والأفراد، وقد تتسبب في عواقب أكثر خطورة.
وقال المركز: «إن تداول الشائعات والاتهامات المتعلقة بالأعراض من أخطر ما يهدد استقرار الأسر والمجتمعات؛ ومما يندى له الجبين أن مواقع التواصل الاجتماعي تجعل الشائعة حقيقة، والمتهم مُدانًا، والجاني ذا مروءة، دون تقصٍّ أو تحقيق، وقد يكون الهمز واللمز والخوض في الأعراض، وما يمثله من ضغوط على الأسرة وأفرادها، سببًا في ارتكاب جريمة أشنع، ومشاركةً فيها بالوصم والوصف والتنمر والتحريض؛ والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]».
حكم الاتهام دون بينة وتشويه السمعة
ولفت مركز الأزهر إلى أن الاتهام دون بينة لا يقتصر أثره على الكلمة المتداولة، وإنما يمتد إلى سمعة الشخص وكرامته وأسرته، محذرًا من المشاركة في نشر هذه الاتهامات عبر التعليقات أو الإعجابات أو المشاركات.
وشرح قائلًا: «الاتهام بغير بيِّنة ليس مجرد كلمة، بل هو تشويه للسمعة، وقدح في العدالة، وطعن في الشرف والكرامة، وإلحاق للأذى بالمتهم وأسرته؛ لذا استصغره بعض الناس وشاركوا فيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتعليق وإعجاب وتفاعل ومشاركة، وهو عند الله عظيم؛ قال الله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].»
الأزهر يحذر من تمجيد مرتكبي الجرائم
كما حذر المركز من مدح مرتكب الجريمة أو تبرير فعله أو تقديمه باعتباره نموذجًا يُحتذى، مؤكدًا أن الثناء على الجريمة أو تبريرها قد يشجع على تكرارها.
وقال: «ليس من حسن إسلام المرء ولا مروءته أن يَمدح الجاني أو يُشيد بفعله أو يُصَوِّره كبطل مِقدام؛ فإن الخوض في الجريمة بالثناء على فاعلها وتبريرها له إعانةٌ له على منكره، ومشاركةٌ في إثمها، وتشجيعٌ لغيره على ارتكاب مثلها، وقد حذَّر الله تعالى من هذا المسلك فقال: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [المدثر: 45]، وقال سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]».
ودعا إلى عدم الخوض في الأخبار المتعلقة بالأعراض دون علم أو تحقق، مؤكدًا أهمية إحسان الظن وعدم نقل كل ما يتم تداوله، حفاظًا على الأعراض واستقرار المجتمع، حيث قال: «والواجب على المسلم إذا سمع ما يُقال في عرض أخيه أن يحمل الخبر على أحسن المحامل، وأن يُحسن الظن، وألا يخوض فيما لا علم له به؛ قولًا أو تعقيبًا أو نشرًا؛ فقد أرشدنا القرآن الكريم إلى المنهج القويم في التعامل مع مثل هذه الأخبار.
واستدل بقوله: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]، وقال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16].
ونبه أن ليس كل ما يُسمع يُنقل، ولا كل ما يُتداول يُصدَّق، ولا كل ما يُعلَم يُنشَر؛ حفظًا للأعراض، وصونًا للمجتمع، ومنعًا للكلمة من أن تكون سببًا في معصية أو ظلمٍ أو قطيعةٍ أو اعتداء؛ مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]، وقوله ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [أخرجه الترمذي]، وقوله ﷺ أيضًا: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [أخرجه البخاري]».



