الجمعة 08 مايو 2026 الموافق 21 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
مقالات

كيف نصل إلى الحوكمة وسيادة القانون؟

وائل كامل يكتب: «رئيس القسم العلمي بين القيادة الرشيدة والانحراف بالسلطة»

كشكول

 

تقوم الحياة الجامعية في جوهرها على حقيقة أساسية لا خلاف عليها، وهي أن القرار الأكاديمي لا يمكن أن يُبنى بصورة فردية أو منعزلة، بل هو نتاج عمل جماعي داخل إطار مؤسسي يضمن التوازن بين تعدد الرؤى واغلبية الآراء. ومن هنا، فإن القسم العلمي لا يُعد مجرد وحدة إدارية، بل هو الخلية الأساسية في البناء الجامعي، حيث يمارس مجلس القسم دوره باعتباره التعبير الحقيقي عن الإرادة العلمية لأعضائه.

وفي هذا السياق، يأتي دور رئيس القسم باعتباره مسؤولًا عن إدارة هذا الكيان، إلا أن هذه المسؤولية لا تعني الانفراد بالقرار او توجيه التصويت نحو رغبته فيه، وإنما تعني تنظيم عملية اتخاذه داخل المجلس، وفقًا للقواعد التي حددها قانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية، والتي تقوم في جوهرها على مبدأ الإدارة الجماعية وحيادية رئيس المجلس.

أولًا: طبيعة دور رئيس القسم وحدود مسؤوليته

يتولى رئيس القسم رئاسة مجلس القسم وإدارة شؤونه اليومية، غير أن هذا الدور لا يمنحه سلطة اتخاذ القرار منفردًا، بل يقتصر على إدارة العملية التي يتم من خلالها اتخاذ القرار داخل المجلس.

ويمكن فهم هذا الدور في مستويين مترابطين:

المستوى الأول هو إداري تنظيمي: ويتمثل في الدعوة إلى اجتماعات مجلس القسم، وإعداد جدول الأعمال، وتنظيم سير المناقشات داخل الجلسة بما يضمن إتاحة الفرصة لجميع الأعضاء للتعبير عن آرائهم دون توجيه أو تقييد.

المستوى الثاني وهو تنفيذي: ويتمثل في متابعة تنفيذ قرارات مجلس القسم، ورفع ما يستلزم منها إلى مجلس الكلية أو الجامعة وفقًا للإجراءات المقررة.

وبذلك، يصبح رئيس القسم في جوهره منسقًا للعمل الجماعي داخل القسم، بينما تظل السلطة الحقيقية لاتخاذ القرار لمجلس القسم ذاته.

ثانيًا: موقع رئيس القسم داخل مجلس الكلية ومسؤوليته المؤسسية

لا يقتصر دور رئيس القسم على إدارة قسمه فقط، بل يمتد إلى كونه عضوًا في مجلس الكلية ممثلًا لقسمه وأعضائه. وهذا الموقع يفرض عليه مسؤولية مضاعفة، تتمثل في نقل صوت القسم وقراراته وتوصياته إلى مجلس الكلية بأمانة ووضوح.

وفي هذا الإطار، يلتزم رئيس القسم بـ:

١-  الدفاع عن القرارات التي اتخذها مجلس القسم بعد مناقشة جماعية.
٢- عرض الموضوعات التي اتفق عليها أعضاء القسم على مجلس الكلية دون تحريف أو انتقاص.
٣- نقل احتياجات القسم الأكاديمية والإدارية بما يعكس رؤية أعضاء هيئة التدريس فيه.

أما في حال قيام مجلس الكلية أو عميد الكلية بعدم إدراج موضوع اتفق عليه مجلس القسم أو رفض مناقشته، فإن موقف رئيس القسم لا يجب أن يكون موقف المتلقي السلبي أو الصامت المطلق، بل يمتد دوره إلى:

 إعادة عرض الموضوع بالطرق المؤسسية المتاحة.
 طلب إدراجه رسميًا ضمن جدول أعمال المجلس.
 توثيق موقف مجلس القسم وإثباته إداريًا.

ذلك أن قبول تجاهل إرادة مجلس القسم دون اعتراض أو تحرك مؤسسي يُعد إخلالًا بدوره التمثيلي، وليس مجرد التزام إداري بالتراتبية.

ثالثًا: دور أمين مجلس القسم في توثيق العمل المؤسسي

يمثل أمين مجلس القسم عنصرًا محوريًا في ضمان سلامة الإجراءات داخل المجلس، إذ يتولى مسؤولية توثيق ما يدور في الجلسات بصورة دقيقة تعكس الحقيقة دون زيادة أو نقصان. ولا تقتصر مهمته على الكتابة الشكلية، بل تمتد إلى حفظ الذاكرة المؤسسية للقسم.

وتشمل مهامه:

١- ثبات حضور الأعضاء ووقت بدء وانتهاء الجلسة.
٢-  تدوين جدول الأعمال كما عُرض فعليًا داخل الجلسة.
٣-  تسجيل المناقشات الجوهرية التي دارت بين الأعضاء، خاصة في الموضوعات الخلافية.
٤- إثبات نتائج التصويت بدقة، مع بيان عدد الموافقين والمعترضين والممتنعين.
٥- تسجيل الاعتراضات وطلبات إثبات الرأي المخالف متى طلب أصحابها ذلك.
٦- صياغة القرارات كما انتهى إليها المجلس، دون تحريف أو إعادة توجيه.

والأصل في عمل أمين المجلس أن يكون محايدًا، يكتب ما دار بالفعل بالجلسة لا ما يُراد له أن يُكتب.

وفي هذا الإطار، لا يملك رئيس القسم سلطة توجيه أمين المجلس لتغيير مضمون ما حدث، أو حذف أجزاء من المناقشات، أو إغفال اعتراضات الأعضاء. ف دوره يقتصر على مراجعة الصياغة من الناحية الشكلية والتنظيمية، دون المساس بحقيقة الوقائع.

أما إذا تم توجيه أمين المجلس لإثبات وقائع غير صحيحة أو تجاهل ما حدث بالفعل، فإن ذلك يُعد إخلالًا جسيمًا بسلامة المحضر، ويؤثر على مشروعية القرارات التي يتضمنها.

رابعًا: مظاهر الخلل في الممارسة الإدارية داخل بعض الأقسام

في التطبيق العملي، قد تظهر بعض الممارسات التي تبتعد عن روح القانون وفلسفة العمل الجماعي، ومن أبرزها:

١-  ضعف الشفافية في إعداد جدول الأعمال، من خلال عرض موضوعات دون تمكين الأعضاء من الاطلاع المسبق عليها ودراستها بوقت وصورة كافية.

٢- الانحراف في استخدام السلطة، ويتجلى ذلك في غياب معايير واضحة لتوزيع الساعات التدريسية أو الإشرافات أو عضوية اللجان، أو حصرها في نطاق محدود من الأسماء، بما يخل بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.

٣- التوسع غير المنضبط في تشكيل اللجان، من خلال الاعتماد على اختيارات متكررة دون وجود نظام معلن وشفاف يضمن التدوير والعدالة لجميع الاعضاء.

٤- الخلط بين الإجراءات الشكلية والموضوعية، مثل دمج التوقيع على كشف الحضور في نفس كشف التصديق على محضر الجلسة السابقة في إجراء واحد، بما يحد من حق الأعضاء في المراجعة والتدقيق ويخلط بين اثبات الحضور والتصديق على المحضر بشكل يمنع حق الاعضاء من الاعتراض على ما تم صياغته في الجلسة السابقة واستخدام توقيع الحضور لاثبات موافقتهم على محضر الجلسة السابقة بشكل غير صحيح وغير سليم.

٥- تقييد حق الأعضاء في عرض الموضوعات، سواء برفض إدراج موضوعات دون مبرر موضوعي، أو تعطيل تقديم الطلبات، او رفض التوقيع باستلام اصل الطلب،  رغم أن الأصل أن هذا الحق مكفول لكل عضو، بينما يظل قرار القبول أو الرفض من اختصاص المجلس ذاته.

٦- تجاهل نتائج التصويت أو الالتفاف عليها، من خلال إرجاء تنفيذ ما.