د. وائل كامل يكتب: اختيار القيادات الجامعية.. الحقيقة التي تُحسم قبل أن يبدأ التقييم
في واقعة لافتة، تقدّمت أستاذة جامعية إمراة لمنصب عميد كلية “بنين”، ورغم أن الكفاءة يفترض أن تكون الفيصل، إلا أن الواقع يشير إلى أن النتيجة قد تُحسم مسبقًا بفعل تصورات تقليدية لا علاقة لها بالقدرة على القيادة، هذه الواقعة ليست استثناءً، بل انعكاس مباشر لخلل أعمق حول غياب معايير موضوعية تقيس من هو الأجدر بالمنصب ولماذا دائما بعض المعارك تحسب مسبقا؟.
على مدار سنوات، تنقّل نظام اختيار القيادات الجامعية في مصر بين الانتخاب والتعيين.. الانتخاب، رغم ما حمله من روح ديمقراطية، تعرض لانتقادات واسعة بسبب ما أفرزه من شللية وتربيطات وسعي بعض المرشحين لإرضاء الناخبين على حساب الحسم الإداري.
وفي المقابل، جاء التعيين المقنن ليعالج هذه الظواهر، لكنه واجه انتقادات لا تقل حدة، حيث اعتبره كثيرون مدخلًا للمجاملات وضعف الشفافية، خاصة مع غياب معايير واضحة وقابلة للقياس وتدخلات خارجية لها معايرها الخاصة، وفي الحالتين، ظل السؤال الأهم بلا إجابة: كيف نضمن اختيار الأكفأ للقيادة؟.
بل إن بعض آليات الاختيار الحالية زادت الجدل، خصوصًا فيما يتعلق بتشكيل اللجان وسلطة قيادات جامعية اكبر فيها في اختيار اعضاءها وإمكانية إعادة الإجراءات من البداية بقرار إداري من الوزير رغم انتهاءها، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى توافق ذلك مع مبدأ استقلال الجامعات، كما نص عليه الدستور.
كما أن كثيرًا من معايير التقييم المطروحة ظلت فضفاضة، مثل “القدرة القيادية” أو “الكفاءة البحثية”، دون أدوات قياس دقيقة، مما يجعلها عرضة للتأويل.
في هذا السياق، يبرز المقترح الذي تقدمت به عام 2018 إلى الدكتور خالد عبد الغفار الوزير الأسبق للتعليم العالي، والذي أشاد به في الفيديو السابع المنشور بتاريخ 15 فبراير 2018 على صفحة وزارة التعليم العالي، باعتباره محاولة جادة للخروج من هذا الجدل المزمن، عبر نقل عملية الاختيار من دائرة الرأي والانطباع إلى دائرة القياس العلمي.
يقوم المقترح على إنشاء لجنة علمية متخصصة تضم أساتذة في علم النفس، والإدارة، والاجتماع، والقانون، والحاسبات. مهمتها وضع توصيف وظيفي دقيق لكل منصب قيادي، ثم تحويله إلى معايير قابلة للقياس، تُبنى عليها برامج تدريبية واختبارات كمبيوترية ببنك أسئلة.
يخضع كل مرشح لنظام تقييم إلكتروني مركزي دون تدخل بشري، يمثل 60٪ من الدرجة الكلية، ويقيس:
- المعرفة الإدارية والقانونية
- مهارات اتخاذ القرار
- القدرات التحليلية وقياسات الذكاء
- السمات النفسية وأنماط الشخصية
- السلوك القيادي والعمل الجماعي
ولا يتوقف التقييم عند الأسئلة التقليدية، بل يتم صياغة الاسئلة لتعكس الأداء الحقيقي من خلال:
محاكاة مواقف واقعية (أزمات، صراعات، قرارات عاجلة)
اختبارات القيادة تحت الضغط
اختبارات النزاهة واتخاذ القرار الأخلاقي
قياس الأثر الحقيقي للمرشح في مناصبه السابقة وإنجازاته
اختبارات الذكاء العاطفي أنماط الشخصية وتوفر سمة القيادة وحسن اتخاذ القرار وإدارة العلاقات
أما الـ40٪ المتبقية فتُقسم بين:
- الخبرة والسيرة الذاتية (20٪)
- رؤية تطوير قابلة للتنفيذ والقياس (10٪)
- مؤشرات رضا المجتمع الجامعي (10٪)
ثم تُرفع أعلى ثلاثة أسماء للاختيار النهائي للجهات العليا.
ولا بد أن تتم معالجة نقطة غاية في الأهمية، وهي الخلط بين طبيعة المناصب؛ إذ يفرق بوضوح بين:
رئاسة القسم، التي ترتبط بالتخصص العلمي والإنجاز البحثي وبين العمادة ورئاسة الجامعة والوكيل والنائب، باعتبارهما مناصب إدارية قيادية تتطلب مهارات إدارة بشر وموارد كلا حسب طبيعته.
كما يتضمن استمرار عمل اللجنة لتحديث المعايير والاختبارات كل عامين، بما يضمن مواكبة التطور وعدم تجمّد النظام.
الميزة الحقيقية لهذا النموذج أنه لا يكتفي بإلغاء عيوب الانتخاب أو التعيين، بل يتجاوزهما معًا، لأنه:
- يلغي التحيز البشري المباشر
- يحول المعايير من عبارات إنشائية إلى أرقام قابلة للقياس
- يربط الاختيار بمهام المنصب لا بالأقدمية أو العلاقات ويقيس اتخاذ القرار تحت ضغط العمل
- يجمع بين الكفاءة العلمية والإدارية والصحة النفسية
عندها فقط، لن يكون ترشح امرأة لكلية “بنين” أو رجل لكلية “بنات” قضية محسومة مسبقًا، لأن الفيصل سيكون نتيجة موضوعية لا تقبل التأويل.
المشكلة لم تكن يومًا في طريقة الاختيار… بل في غياب معيار عادل يصل بالأكثر كفاءه للقيادة.