الأربعاء 25 فبراير 2026 الموافق 08 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أزهر

وكيل الأزهر: منهج الأزهر يجمع بين العقل والنقل ويقود خطابًا دينيًا رشيدًا يواجه الشبهات

وكيل الأزهر محمد
وكيل الأزهر محمد الضويني

قال د.محمد الضويني، وكيل الأزهر عضو مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، إن الحديث عن الأزهر والاحتفاء به ليس حديثا عن مؤسسة تعليمية فحسب، بل هو احتفاء بتاريخ من الاجتهاد، ومسيرة من الدفاع عن ثوابت الدين، وإعلاء لقيمة العقل في ضوء الوحي، وربط وثيق بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث عن رسالة ممتدة، وعن عقل حي نابض عبر القرون، يجمع بين نور الوحي وصحة العقل، وبين أصالة التراث ومتطلبات العصر، لذا؛ فلا عجب حين يكون موضع تقدير واهتمام من القادة والملوك والزعماء طوال تاريخه العريق وحتى يومنا هذا، وكعبة لطلاب العلم من شتى أنحاء العالم.

 

وأضاف وكيل الأزهر خلال الاحتفالية الكبرى التي نظمها الأزهر بمناسبة مرور 1086 عاما على تأسيسه، أن الأزهر أدرك منذ خطواته الأولى أن الإسلام جاء برسالة تخاطب العقل الإنساني، وتحرر طاقاته، وتدعوه إلى العلم؛ فكانت أول كلمة نزلت من القرآن الكريم قوله تعالى: «اقرأ»، ولم تكن هذه الكلمة مجرد أمر بالتلاوة، بل كانت إعلانا عن ميلاد أمة تعلي من شأن المعرفة، وتبني حضارتها على أساس العلم، ومن هنا كانت مكانة العقل في الإسلام مكانة رفيعة؛ إذ لم يخاطب القرآن الإنسان بوصفه كائنا منقادا بلا وعي، بل خاطبه بوصفه عاقلا مفكرا، مسؤولا عن اختياراته وأفعاله؛ فجاءت آياته تحث على التفكر والتدبر والنظر في الآفاق والأنفس، وتستنكر الجمود والتقليد الأعمى، وكم نقرأ قوله تعالى: «لعلهم يتفكرون»، وقوله: «أفلا يتدبرون القرآن» فهذه الدعوات ليست أساليب بلاغية متنوعة فحسب، بل هي تأسيس لمنهج حضاري يجعل من العقل شريكا في تحمل أمانة الاستخلاف.

 

وتابع، أن العقل في التصور الإسلامي ليس خصما للنص، ولا نقيضا للوحي، بل هو أداة الفهم ووسيلته إلى إدراك المقاصد وسلمه إلى اليقين، وجسر العبور من الألفاظ الظاهرة إلى المعاني الكامنة، وإذا كان العقل في الإسلام محل تكريم وتقدير، فإن هذا التكريم لا يعني إطلاقه من كل قيد، ولا جعله حاكما مطلقا على النصوص، بل يعني توجيهه وترشيده وربطه بالوحي الذي ينير له الطريق؛ فالعقل قد يضل إذا استغنى عن هداية السماء، كما أن النص قد يساء فهمه إذا عزل عن أدوات النظر والاجتهاد الرشيد؛ لأن العقل البشري -على جلال قدره- محدود بحدود الزمان والمكان والتجربة، ومن هنا كان الوحي هداية للعقل، يرشده ويقومه، ويضع له الإطار الذي يحفظه من الضلال، فالعلاقة بين العقل والوحي في الإسلام علاقة تكامل لا تصادم، وتعاون لا تناقض، وإذا بدا تعارض بين عقل ونص، فإنما يكون الخلل في الفهم أو في الاستدلال، لا في أصل الدين.

 

واستكمل حديثه أن المنهج الأزهري قائم على الجمع بين المعقول والمنقول، بين الدليل النقلي والدليل العقلي في توازن دقيق حمى الأمة من الإفراط والتفريط، وقد تجلى هذا التوازن في علوم الشريعة الإسلامية، ولا سيما في علم أصول الفقه، الذي يعد من أعظم إبداعات العقل المسلم؛ ففي هذا العلم، وضع العلماء قواعد لفهم النصوص، وبينوا طرق الاستنباط، وضبطوا دلالات الألفاظ، وميزوا بين القطعي والظني، وبين العام والخاص، والمطلق والمقيد، وكان من رواد هذا المنهج الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الذي أسس بعلمه منهجا يجمع بين النص والاجتهاد، وفي هذا السياق التاريخي والحضاري، نشأ الأزهر الشريف، فكان منذ تأسيسه في القرن الرابع الهجري مركزا للعلم، وملتقى للعلماء من شتى أنحاء العالم الإسلامي، تعاقبت عليه الدول، وتغيرت الظروف السياسية والاجتماعية، لكنه ظل ثابتا على رسالته: نشر العلم الصحيح، وترسيخ المنهج الوسطي، وصيانة الشريعة من التحريف والغلو.

 

وأوضح الدكتور الضويني أن الأزهر تبنى طوال تاريخه منهجا يقوم على الجمع بين المعقول والمنقول، بين علوم النقل كالتفسير والحديث والفقه، وعلوم العقل كالمنطق والفلسفة والكلام، ولم يكن هذا الجمع ترفا فكريا، بل كان ضرورة لحماية العقيدة من الشبهات، ولإقامة الحجة بالحكمة والبرهان، فكم شهدت أروقة الأزهر من مناظرات علمية راقية، كان معيارها الدليل، وغايتها الوصول إلى الحق، بعيدا عن التعصب أو الإقصاء، ولقد تجلت مكانة العقل في بيان موقف السنة من القرآن؛ فإن السنة النبوية تمثل التطبيق العملي والبيان النبوي للقرآن، وهي الشارحة لمجمله، والمفصلة لمطلقه، والمقيدة لعامه، والمبينة لأحكامه.

 

وشدد وكيل الأزهر أن علماء الأمة أجمعوا على أن السنة مصدر أساسي للتشريع، لا يستغنى عنه في فهم الدين وإقامة الشريعة، وتبعا لذلك؛ كان اهتمام الأزهر الشريف بالسنة النبوية اهتماما أصيلا متجذرا في بنيته العلمية، فقد ازدهرت فيه علوم الحديث رواية ودراية، واعتنى علماؤه بأسانيد الروايات، ودرسوها دراسة دقيقة، وفق القواعد التي وضعها أئمة الحديث الكبار، وقد قام علماء الأزهر بشرح كتب السنة، وتدريسها، وتحقيقها، وتخريج أحاديثها، وربطها بالواقع المعاصر ربطا يبرز حكمتها ومقاصدها.

 

وأكد أن دور الأزهر لم يقتصر على التدريس الأكاديمي للسنة، بل تعداه إلى الدفاع عنها في وجه حملات التشكيك التي ظهرت على مدار عصور مختلفة؛ فقد تصدى علماؤه للدعوات التي حاولت الفصل بين القرآن والسنة، أو الطعن في حجية الحديث النبوي، وبينوا أن السنة محفوظة بحفظ الله لدينه، وأن علوم الحديث بمنهجها الدقيق تمثل أنموذجا فريدا في التاريخ الإنساني للتحقق من الأخبار وتمحيصها، كما حرص الأزهر على بيان الفهم الصحيح للسنة، بعيدا عن الجمود أو التسيب.

 

وبين الدكتور الضويني أن السنة لا تفهم بمعزل عن المقاصد الشرعية، ولا عن سياقاتها التاريخية، ولا تطبق بمعزل عن واقع الناس وأحوالهم، حتى لا يفضي الفهم السطحي إلى التشدد أو الغلو، ولا يؤدي التفريط إلى تمييع الأحكام، وما كانت السنة إلا رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين، وما كان هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا قائما على التيسير، ورفع الحرج، وتحقيق مصالح العباد، لذا؛ كان المنهج الأزهري حريصا على إبراز هذا البعد المقاصدي، ليبقى الدين في صورته السمحة، بعيدا عن التشويه أو الاستغلال.

1000673358
1000673358
1000673359
1000673359
1000673360
1000673360