الرشوة وأثرها في إفساد المجتمع موضوعًا لخطبة الجمعة اليوم
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم في جميع مساجد الجمهورية، بعنوان “الرشوة وأثرها في إفساد المجتمع”، مشددة على الأئمة بضرورة الالتزام بموضوع الخطبة والوقت المحدد لها على أقصى تقدير.
وجاء نص الخطبة على النحو التالي:
الحمدُ للهِ الذي حرَّمَ الفسادَ وأبطلَ الباطلَ، وجعلَ العدلَ والنزاهةَ سياجًا يحمي الفضائلَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، يعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تخفي الصدورُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، الذي بُعثَ ليتممَ مكارمَ الأخلاقِ، ويرسيَ قواعدَ الحقِّ والعدلِ في الآفاقِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ صلاةً وسلامًا دائمَيْنِ إلى يومِ الدينِ، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
استبصرْ حرمة الرشوةِ وخطورتها التي تنخرُ في جسدِ المجتمعاتِ، واعلمْ أنَّها من أخطرِ الآفاتِ التي تدمرُ الحضارات، وتفتكُ بمنظومةِ القيمِ والأخلاقِ، فالرشوةُ ليستْ وسيلةً لتيسيرِ المصالحِ، بل هيَ معولُ هدمٍ يفسدُ الذممَ، ويقوضُ العدالةَ، ويهدرُ مبدأَ تكافؤِ الفرصِ، ويزعزعُ ثقةَ الناسِ في المؤسساتِ، وما هذا الصنيعُ في حقيقتِهِ إلا جنايةٌ في ميزانِ الشرعِ، وإفسادٌ في الأرضِ، ونقضٌ صريحٌ لمقاصدِ الشريعةِ في حفظِ الحقوقِ وأداءِ الأماناتِ، وإنما يتوهمُ الواهمُ أنَّهُ بمنأى عن العقوبةِ، وما علمَ المسكينُ أنَّهُ حينَ أكلَ سحتًا وباعَ ذمتَهُ، قد ارتكبَ إثمًا شنيعًا، وبهتانًا عظيمًا، وأصابَهُ لعنُ اللهِ ورسولِه ﷺ للراشي والمرتشي والرائشِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُوا۟ بِهَاۤ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُوا۟ فَرِیقࣰا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾، وقالَ سيدُنا ﷺ: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ والمُرْتَشِيَ والرَّائِشَ».
احذرْ من التعدي على أموالِ الناسِ وأعراضِهِمْ بالباطلِ، وتأملْ في مكائدِ الشيطانِ واستدراجِهِ لكَ لتغليب المحاباة والمحسوبيةِ على الكفاءةِ والإتقانِ والجدارةِ، فالدرهمُ الحرامُ، والكلمةُ الجائرةُ، وتأخيرُ المصالحِ لأجلِ المالِ، بابٌ للحرام أُريدَ به إفشاءُ الباطلِ، وإنَّ من أعظمِ الخيانةِ أنْ تتحولَ أمانةُ الوظيفة إلى وسيلةٍ للكسبِ غيرِ المشروعِ، فكيفَ بمنْ أخذَ الرشوةَ وسيلةً لإهدار الحقوق أو أداة لتغييب العدالة؟ فالمؤمنُ من سَلم الناسُ من أذاه، وابتعدَ عنِ الرشوةِ ابتغاءَ وجهِ اللهِ، وليعلمْ من استهان بأخذِ الرشوةِ اليومَ أنَّ يدَهُ تشهدُ عليهِ غدًا في مشهدِ الحسابِ، قالَ تعالى: ﴿یَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَیۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾، وقالَ الجنابُ المعظمُ ﷺ: «الرَّاشِي والمُرْتَشِي والرَّائِشُ في النَّار».
تجنبْ استغلالَ الشفاعةِ والجاهِ لتحصيلِ الأموالِ، ولا تكنْ طامعًا في الهدية والمنفعة، واستشعرْ بشاعةَ تحويلِ المعروفِ إلى تجارةٍ آثمةٍ، والتمس السلامةَ في أداءِ المعروفِ ابتغاءَ وجهِ اللهِ، فاتخاذُ الشفاعة وسيلةً للرشوة جريمةٌ مركبةٌ منْ ظلمٍ وخيانةٍ وغدرٍ، يرتكبها المستغل تحقيقًا لمآربه، فإذا كانَ الوعيدُ النبويُّ قد استقرَّ في حقِّ منْ قبلَ هديةً على شفاعتِهِ، إذ يقولُ النبيُّ ﷺ: «مَنْ شَفَعَ لأخيهِ شَفَاعَةً، فأهدَى لهُ هَدِيَّةً عليها فقبِلَها، فقدْ أتَى بابًا عظيمًا مِنْ أبوابِ الرِّبَا»، فكيفَ بمنِ اشترطَ المالَ، وتجرأَ على بيعِ دينه بدنياه؟ فكمْ منْ حقٍّ ضاعَ ورثَ الحسرات، وسترٍ كُشفَ ليوقظ دفينَ العبراتِ، وفسادٍ شاعَ في العالمينَ ليزلزلَ استقرارَ الآمنينَ، فليستحضرْ الراشي والمرتشي أنَّ عينَ اللهِ لا تنامُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَیُّ ٱلۡقَیُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةࣱ وَلَا نَوۡمࣱۚ﴾.
تدبرْ الآثارَ النفسيةَ والاجتماعيةَ التي تخلفُها الرشوةُ في المجتمعِ، فهيَ البلاءُ المستطيرُ الذي يورثُ سخطَ اللهِ تعالى، ومحقَ البركةِ، وتفاقمَ الفقرِ، وضياعَ الحقوقِ، وانهيارَ الثقةِ بينَ الناسِ، وتعطيلَ التنميةِ، وإهدارَ الكفاءاتِ، فما هذا المسلكُ إلا سلبٌ لسكينة المجتمع، وبذرٌ للشك، وتهديدٌ للأمن والأمان، ألا فليعلم المرتشي أنَّ عليه رقابةً إلهيةً لا تغادرُ خائنةً ولا خفاءً، فليكنْ لغيرِهِ عونًا بالعدلِ، وليعلمْ أنَّ منْ تركَ الحرامَ والمكاسبَ الخبيثةَ اتقاءً للهِ، أبدلَهُ اللهُ رزقًا حلالًا طيبًا، وبركةً في الذرية، فقدْ قالَ النبيُّ ﷺ: «إنَّكَ لنْ تدعَ شيئًا اتِّقاءَ اللهِ إلاَّ أعطاكَ اللهُ خيرًا منهُ».