حين تتحول الشكوى إلى طوق نجاة
رودي نبيل تكتب: هل تستعيد امتحانات الثانوية العامة ثقة الطلاب والأسر؟
مع كل موسم امتحانات، تتكرر الحكايات نفسها بين القلق والانتظار والترقب، لكن هذا العام يلوح أمل جديد بأن تصبح العدالة أقرب، وأن يشعر كل طالب بأن صوته مسموع، مهما كانت المواقف صعبة أو التفاصيل معقدة.
وتُعد منظومة الشكاوى الحكومية واحدة من أهم وسائل التواصل الحديثة التي نجحت في تقليص المسافات بين المواطن والجهات التنفيذية، بعدما تحولت إلى نافذة مباشرة لاستقبال المشكلات ومتابعتها بسرعة ودقة. وخلال السنوات الأخيرة، أثبتت هذه المنظومة قدرتها على التعامل مع ملايين الطلبات والاستفسارات، وهو ما عزز لدى كثيرين الشعور بأن هناك جهة تستمع وتتابع وتسعى، ولو بمحاولات جادة، إلى إيجاد حلول حقيقية للمشكلات.
ومع النجاحات المتتالية التي حققتها المنظومة في قطاعات متعددة، بدأ الحديث يتوسع حول إمكانية الاستفادة منها داخل امتحانات الثانوية العامة، خاصة أن هذه المرحلة تختلف عن أي مرحلة تعليمية أخرى، فلا توجد فيها مساحة للخطأ، ولا وقت يسمح بتأجيل الحلول إلى اليوم التالي، لأن دقيقة واحدة قد تصنع الفارق بين حلم يقترب وآخر يبتعد.
تخيل أن طالبًا داخل لجنة الامتحان واجه مشكلة مفاجئة، سواء بسبب تأخر توزيع أوراق الأسئلة، أو وجود جزئية غير واضحة، أو حتى شعوره بوجود تجاوزات داخل اللجنة تؤثر على هدوء الامتحان. هنا قد تصبح وسيلة رسمية وسريعة لتلقي الشكاوى عاملًا مهمًا في احتواء الموقف بدقة وهدوء، بدلًا من أن تتحول اللجنة إلى مساحة للارتباك والهمس والقلق.
إن وجود قناة رقمية رسمية ومحايدة لا يعني فقط استقبال الشكاوى، بل يمنح الجهات المسؤولة صورة أكثر وضوحًا لما يحدث داخل اللجان لحظة بلحظة، وهو ما قد يساعد على التدخل السريع حال ظهور مشكلة جماعية أو خطأ يحتاج إلى مراجعة عاجلة، بدلًا من الانتظار حتى نهاية اليوم، ثم اكتشاف أن الجميع كان يردد في داخله: "ليت أحدًا تدخل مبكرًا".
وفي كل عام، تتكرر شكاوى تتعلق بحالات غش فردية أو جماعية، أو بسبب بعض الممارسات داخل اللجان، أو نتيجة أجواء التوتر التي تنعكس نفسيًا على الطلاب. لذلك، فإن وجود نظام متابعة أكثر قربًا من الواقع قد يسهم في الحد من بعض التجاوزات، ويجعل الجميع أكثر التزامًا، لأن الشعور بوجود متابعة حقيقية يغيّر كثيرًا من السلوكيات.
كما أن الاستماع المباشر إلى ملاحظات الطلاب وأولياء الأمور يمنح صورة أكثر واقعية للمشكلات المتكررة، ويساعد في بناء قاعدة واضحة للتحديات التي تحتاج إلى حلول قبل أن تتكرر عامًا بعد عام. فبدلًا من إعادة المشهد نفسه في كل موسم امتحانات، يمكن تحويل التجارب السابقة إلى خطوات إصلاح عملية يشعر بها الجميع.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن تعزيز الثقة في منظومة الامتحانات لا يرتبط فقط بصعوبة الأسئلة أو سهولتها، بل يرتبط بإحساس الطالب بوجود عدالة حقيقية، وأنه إذا تعرض لموقف غير عادل فهناك نافذة يمكنه اللجوء إليها دون خوف أو تعقيد. وهذا الشعور وحده قد يمنح الطالب قدرًا من الطمأنينة وسط ضغط نفسي يعرفه جيدًا كل من مرّ بهذه الرحلة.
وبين القلق المعتاد الذي يسبق الامتحانات، والأحلام الكبيرة التي يحملها الطلاب معهم قبل دخول اللجان، قد تصبح سرعة الاستجابة للمشكلات خطوة مهمة نحو بيئة امتحانية أكثر هدوءًا وإنصافًا. فالثانوية العامة ليست مجرد أسئلة وإجابات، بل لحظة فارقة تحدد كثيرًا من ملامح المستقبل لآلاف الأسر، ولذلك فإن أي فكرة تعزز الثقة والعدالة تستحق أن تؤخذ بجدية واهتمام.