د. وائل كامل يكتب: "إصلاح الرواتب أو الانهيار.. روشتة إنقاذ الجامعات من نزيف العقول"
لم تعد أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس مجرد خلل إداري أو مطلب فئوي يمكن تأجيله، بل تحولت إلى قضية تمس جوهر التعليم العالي في مصر، ما يحدث الآن ليس تراجعًا عابرًا، بل انهيار تدريجي لقيمة الراتب في واحدة من أهم المهن التي تقوم عليها الدولة.
الأخطر أن هذا الانهيار يحدث في صمت
لا توجد أرقام رسمية تُعلن حجم الفجوة الحقيقية، ولا نقاش عام يعكس خطورة الوضع، لكن الواقع اليومي داخل الجامعات يكشف كل شيء.
أستاذ جامعي في قمة السلم العلمي، بعد سنوات طويلة من الدراسة والخبرة، يجد نفسه أمام دخل لا يواكب الحد الأدنى من متطلبات الحياة. هذه ليست مبالغة، بل حقيقة يعرفها كل من يعمل داخل المنظومة.
هذا الوضع لم يعد مجرد ضغط معيشي، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في طبيعة الأداء نفسه. حين لا يوفر الراتب حدًا أدنى من الاستقرار، يتحول البحث عن دخل إضافي إلى ضرورة، لا خيار. ومع الوقت، يُعاد توزيع الجهد والوقت بشكل غير معلن، فتتراجع الأولويات الأكاديمية لصالح متطلبات المعيشة.
هنا تبدأ الخسارة الحقيقية
الجامعة لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، جودة التدريس تتأثر، البحث العلمي يفقد عمقه، والتفرغ الأكاديمي يصبح رفاهية لا يملكها كثيرون وفي المقابل، تستمر المنظومة شكليًا، دون أن تعكس هذا التآكل في مؤشرات واضحة.
المفارقة الصادمة أن هذا كله يحدث في ظل وجود موارد برامج خاصة، مصروفات لطلاب وافدين، جامعات أهلية، وحدات ذات طابع خاص، بل وفوائض مالية تُعلن أحيانًا ومع ذلك، لا يصل أثر هذه الموارد إلى الراتب بشكل مباشر تتحرك الأموال داخل النظام، لكن لا تتحول إلى دخل مستقر يمكن الاعتماد عليه.
هذا ليس نقص موارد.. بل خلل في توزيعها
يُضاف إلى ذلك أن جزءًا من هذه الموارد لا يبقى داخل الجامعة من الأساس، نتيجة استقطاعات مختلفة من وزارة المالية وتخكمات في الصرف، بينما تتحمل الجامعات أعباء متزايدة من مواردها الذاتية، تشمل تمويل رواتب العمالة المؤقتة، وأعمال الصيانة المستمرة للمباني والمعامل والبنية التحتية بل واحيانا يتم إلزام الجامعات بصرف مستحقات احكام قضايا التعويضات وفروقات الرواتب من مواردها الذاتية، وهي التزامات تستهلك جزءًا كبيرًا من الإيرادات قبل أن تصل إلى العملية التعليمية والمجتمع الجامعي. وفي الوقت نفسه، تتسع بعض بنود الإنفاق الإداري ومكافآت القيادات، دون وجود توازن واضح يضمن أولوية دعم العنصر الأكاديمي.
لكن الخلل الأعمق يظهر داخل الجامعة نفسها، في فجوة الدخل بين أعضاء هيئة التدريس.
هناك من يعمل في برامج خاصة تدر عائدًا مرتفعًا، وآخر لا تتاح له هذه الفرصة أصلًا.
هناك من يستفيد من بيع الكتاب الإلكتروني في كليات ذات أعداد ضخمة من الطلاب، بينما في كليات أخرى — خاصة العملية أو محدودة العدد — يكاد هذا المورد يكون منعدمًا أو ضعيف جدا.
هناك من تتاح له إشرافات ومناقشات أو لجان ذات مقابل مادي، وآخرون لا يصلون إلى هذه المسارات.
وهناك بعد آخر أكثر تعقيدًا: فروق التخصصات نفسها خارج أسوار الجامعة.
بعض التخصصات العلمية تتيح لها فرص عمل واسعة خارج أسوار الجامعة، ما يمنح أصحابها قدرة على تعويض ضعف الرواتب من خلال أنشطة خارجية.
في المقابل، توجد تخصصات أخرى — خاصة في العلوم الإنسانية أو التخصصات النظرية وبعض العملية — لا تملك نفس الفرص، فيظل أصحابها أكثر تأثرًا بضعف الراتب، وأقل قدرة على التعويض.
هنا يتضاعف الخلل
فبدل أن يكون النظام الجامعي مصدرًا للعدالة، يتحول إلى عامل يزيد الفجوة بين التخصصات، ليس على أساس الجهد أو الكفاءة، بل على أساس الفرص المتاحة خارج المؤسسة.
ورغم وجود قيود واضحة في اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات — خاصة في المواد من 100 إلى 103 — التي تنظم عمل عضو هيئة التدريس خارج الجامعة بقيود وتصريحات، فإن الواقع العملي يكشف أن هذه القيود لا تُطبق دائمًا بالشكل المنضبط. ومع استمرار ضعف الرواتب، يلجأ البعض إلى التحايل، سواء بالعمل غير المعلن، أو بإدارة أنشطة استثمارية وتجارية بشكل غير مباشر عبر أسماء أخرى، للالتفاف على القيود القائمة.
هذه ليست ظاهرة فردية بل نتيجة طبيعية لنظام لا يوفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي.
في هذه الحالة، لا يصبح الخلل قانونيًا فقط، بل مؤسسيًا. لأن القاعدة لا تُخترق بدافع المخالفة، بل بدافع الحاجة والضغوط الاقتصادية التي قد تصل لاستاذ جامعي ان يعمل سائق ضمن منظومة النقل الذكي.
النتيجة النهائية هي منظومة مزدوجة:
قواعد رسمية.. وممارسات واقعية مختلفة.
وفي الداخل، يستمر التنافس الحاد — بل والتكالب أحيانًا وقد يضل الي حد الاحتكار — على الفرص التي تدر دخلًا: إشرافات، مناقشات، لجان، برامج، مهام إدارية، تدريس وافدين ليس لأنها جزء من التطور الأكاديمي، بل لأنها أصبحت وسيلة لتعويض ضعف الراتب.
ومع الوقت وغياب الآليات الشفافة، تتزايد الفجوة بين من يملكون هذه الفرص ومن لا يملكونها، حتى داخل نفس الدرجة العلمية.
وهنا تظهر ضرورة إعادة ضبط هذه المنظومة بالكامل.
لا يمكن ترك توزيع هذه المهام لمعادلات غير معلنة أو لاعتبارات فردية، بل يجب تحويلها إلى نظام تكليف مؤسسي شفاف، تُوزع فيه الأعباء بشكل عادل على الجميع، وفق قواعد واضحة ومعلنة.
الأصل ليس أن يحصل من “يقتنص الفرصة” على مكافأة إضافية، بينما يُحرم منها الآخرون، بل أن يكون هناك مقابل مالي موحد لهذه المهام ضمن نظام تكليف، يُصرف للجميع، على أن من يتقاعس عن أداء ما يُكلف به هو من يتحمل الخصم، وليس العكس لمنع التكالب والاحتكار وتوزيعها حسب الأهواء.
فالنظام الحالي يسير في اتجاه معاكس:
من يحصل على الفرصة يُكافأ، ومن لا يحصل عليها يظل براتبه الضعيف، وهو ما يغذي التنافس غير الصحي، ويخلق بيئة غير عادلة.
أما نظام التكليف العادل، فيُحول هذه الأنشطة من “تشريف يُتنافس عليه” إلى “مسؤولية موزعة”، ويغلق باب التكالب على مصادر الدخل الإضافي، ويعيد التوازن داخل المنظومة.
في النهاية، نجد أنفسنا أمام نظام يتحرك فيه المال، لكن دون قواعد عادلة للتوزيع، ودون ارتباط حقيقي بالوظيفة الأساسية للأستاذ الجامعي. راتب ضعيف للجميع، وفرص غير متكافئة للبعض، وموارد لا تصل بشكل منظم.
المشكلة لم تعد تحتاج إلى توصيف، بل إلى تحرك. وأي تأجيل إضافي يعني تعميق الأزمة. الحل الجذري معروف: إعادة هيكلة شاملة لجدول الرواتب الثابت على ارقام منذ عام وضع القانون وتعديلاته المحدودة منذ عام ٧٢ وعام ٨٣ وعام ٢٠١٢، بما يعيد الاعتبار لهذه المهنة. لكن حتى إذا تعذر ذلك فورًا، فإن هناك إجراءات يمكن اتخاذها الآن دون انتظار.
أول هذه الإجراءات هو تحويل الموارد المتاحة إلى دخل منتظم. لم يعد مقبولًا أن يعتمد عضو هيئة التدريس على مكافآت موسمية أو فرص متقطعة. المطلوب هو تخصيص نسب ثابتة من موارد البرامج الخاصة، والوحدات والطلاب الوافدين، والجامعات الأهلية، تُصرف شهريًا بشكل واضح ومستقر.
ثانيًا، وضع نظام توزيع يضمن حدًا أدنى عادلًا لجميع أعضاء هيئة التدريس، بصرف النظر عن طبيعة التخصص أو حجم الكلية، بما يقلل الفجوات الحالية.
ثالثًا، إعادة النظر في أولويات الإنفاق داخل الجامعات، بما يشمل ضبط مكافآت القيادات، وترشيد المصروفات الإدارية، وتوجيه نسبة أكبر من الموارد إلى دعم العملية التعليمية.
رابعًا، فتح ملف الاستقطاعات من موارد الجامعات لوزارة المالية وتحكماتها في الصرف بشكل جاد، بما يضمن بقاء نسبة عادلة من هذه الموارد داخل المؤسسة بنوع من حرية الصرف المقيد بالمحاسبة اللاحقة.
خامسًا، إعادة تنظيم الأعباء المفروضة على الموارد الذاتية، خاصة ما يتعلق بالصيانة والعمالة المؤقتة، بحيث لا تأتي على حساب تحسين الدخل الأكاديمي.
هذه ليست حلولًا نظرية، بل خطوات قابلة للتنفيذ إذا توفرت الإرادة.
القضية هنا لم تعد فقط ضعف راتب، بل اختلال منظومة كاملة. وإذا استمر الوضع كما هو، فلن تكون الخسارة في دخل الأستاذ فقط، بل في جودة التعليم ذاته وهروب الكفاءات وتفريغ الجامعات الحكومية منها.
الرسالة يجب أن تكون واضحة:
لا يمكن إصلاح التعليم العالي بدون راتب يليق بمن يقومون عليه.
والصمت في هذه القضية لم يعد خيارًا إن كانت هناك نية حقيقة للتطوير والتنافسية.