< د.وائل كامل يكتب: جامعاتنا تنتج كل شيء إلا الحلول.. لماذا تتقدم الأرقام ويتراجع التأثير؟
كشكول
رئيس التحرير
شيماء جلال

د.وائل كامل يكتب: جامعاتنا تنتج كل شيء إلا الحلول.. لماذا تتقدم الأرقام ويتراجع التأثير؟

د. وائل كامل
د. وائل كامل

 

لم يعد من السهل الحديث عن التعليم العالي في مصر باعتباره مجرد قطاع خدمي تقليدي، أو الاكتفاء بقياس نجاحه عبر أرقام التصنيفات الدولية فالمشهد الحالي يكشف عن مفارقة واضحة.. نشاط أكاديمي واسع، وأبحاث تتزايد، وبرامج دراسية لا تتوقف عن التوسع.. لكن أثرًا محدودًا على المجتمع، وغيابًا ملحوظًا لدور الجامعة في حل مشكلاته اليومية.

السؤال هنا لم يعد: كم عدد الأبحاث التي نُشرت؟.. بل أصبح: ماذا غيّرت هذه الأبحاث في الواقع؟
نظام يعمل..  لكن لا يُنتج التأثير المطلوب على المجتمع
توجد مشروعات..  لكن بلا استمرارية.
وتوجد أبحاث.. لكن بلا تطبيق.
وتوجد خطط.. لكن بلا قياس حقيقي للأثر.
النتيجة ببساطة: جهد كبير..  وتأثير محدود على المجتمع.

الجامعات المصرية لا تعاني من نقص الجهد، بل على العكس، فهي تضم آلاف أعضاء هيئة التدريس، ومراكز بحثية، وأنشطة طلابية، ومشروعات متنوعة. ووحدات خدمة مجتمتع ومع ذلك، تبدو هذه الجهود في كثير من الأحيان وكأنها تعمل في مسارات متوازية لا تلتقي.

أين المشكلة؟.. جذور أعمق من مجرد “إصلاح جزئي"

أول ما يلفت النظر هو طبيعة الإدارة نفسها. فالنظام الحالي يقوم على درجة عالية من المركزية، تمتد إلى تفاصيل دقيقة داخل العمل الجامعي تفرض على الجامعات من وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات: من شكل البرامج الدراسية، إلى عدد ساعاتها إلي مركزية وضع اللوائح بإطار مرجعي موحد، إلى تحديد أعداد المقبولين دون النظر للطاقة الاستيعابية، بل وحتى إلى أنماط التقييم بل وتمتد لالزامية الكتاب الالكتروني وتوحيده على كل الجامعات.

في مثل هذا السياق، تصبح الجامعة منفذًا للسياسات أكثر من كونها صانعة لها، ومع تكرار نفس القواعد على جميع الجامعات، يختفي التمايز، ويصبح الابتكار استثناءً لا قاعدة، فكيف نطلب منافسة عالمية والمنافسة المحلية مقيدة،  ولا يقف الأمر عند الجانب الأكاديمي، فاختيار القيادات الجامعية يظل محل جدل مستمر، بين نظم انتخابية أفرزت شللية في بعض الأحيان، ونظم تعيين لم تنجُ من اتهامات غياب الشفافية واختيار حسب الأهواء بمعايير بعضها فضفاض غير قابل للقياس بدقة وغير مرتبط بالتوصيف الوظيفي للمنصب، وفي الحالتين، يغيب المعيار الحاسم: كيف نضمن وصول الأكفأ فعلًا؟

أما ماليًا، فتظهر مفارقة يصعب تجاهلها: جامعات تعلن عن فوائض، لكنها عاجزة عن صرف مستحقات أساتذتها من القضايا دفعة واحدة، بسبب ارتباط الإنفاق بإجراءات مركزية معقدة مرتبطة بوزارة المالية، وهنا يتضح أن امتلاك الموارد لا يعني القدرة على إدارتها.

أزمة الأستاذ الجامعي..  نقطة الضعف الأخطر

في قلب هذه المنظومة يقف الأستاذ الجامعي، الذي يُفترض أنه الركيزة الأساسية لأي تطوير، لكن الواقع يشير إلى وضع مختلف: هيكل رواتب قديم منذ السبعينات تم تعديله عام ٨٣ لتصبح العلاوة الدورية ترقية من أستاذ مساعد لأستاذ تزداد خمسة وعشرون قرشا شهريا بدل ستة جنيهات تصبح ستة جنيهات وربع، جدول رواتب يعتمد في جوهره على قوانين تعود لعقود مضت، مع اعتماد كبير على بدلات متغيرة اصبح اساسي الراتب فيها اقل من ٢٠٪ والمتغيرات اكثر من ٨٠ ٪، ومعاشات لا تعكس سنوات العمل والخبرة وقد يكون معاش أستاذ دكتور افني حياته في خدمة مهنته لاتزيد عن 4 آلاف جنيها شهريا ولو توفي قبل ذلك قد يكون معاشة أقل من نصف هذا الرقم، في ظل التضخم وحالة الغلاء الموجودة يصنف كمحدود دخل فكيف نطلب منه تحقيق تنافسية عالمية؟

في ظل هذا الوضع، يصبح من الطبيعي أن يعزف كثير من المتميزين عن العمل الأكاديمي، وتتجه الكفاءات إلى الخارج ويتم خطفهم للعمل بجامعات خاصة وأهلية خصوصا ان قوانينهم لم تجبرهم على توفير كوادر تدريسية تخصهم، ويتراجع التفرغ الحقيقي للبحث العلمي، ووهنا لا تكون المشكلة مالية فقط، بل هي أزمة تمس جودة التعليم نفسها.

بحث علمي بلا عائد.. وتصنيفات بلا معنى

في السنوات الأخيرة، أصبح النشر العلمي هدفًا كميا في حد ذاته وليس هدفا يقاس بالكيفية والتأثير على المجتمع، هدفا يحدد اعداد بحوث مدفوعًا بمتطلبات الترقي لخدمة النشر وبالتالي رانك التصنيفات الدولية، لكن كثيرًا من هذه الأبحاث لا يجد طريقه إلى التطبيق، ولا يرتبط بمشكلات المجتمع ويصبح مصيره على أرفف المكتبات.

وفي المقابل، تستفيد دول أخرى من هذه المعرفة بعد تطويرها وتطبيقها، لنعود نحن ونستورد نتائجها، أما التصنيفات الدولية، فقد تحولت إلى غاية وهدف، رغم اختلاف معاييرها، واعتمادها في كثير من الأحيان على مؤشرات كمية لا تعكس بالضرورة جودة التعليم أو تأثيره الحقيقي على المجتمع المحلي

جامعة بلا مجتمع.. أو مجتمع بلا جامعة؟

ربما يكون الخلل الأوضح هو هذا الانفصال غير المعلن بين الجامعة والمجتمع.
توجد مراكز خدمة مجتمع، ومبادرات، وقوافل لكن أغلبها، موسمي، غير مترابط، وبلا التزام أو محاسبة او استغلال للمنتج الجامعي، ولهذا لا يشعر المواطن بدور مباشر للجامعة في حياته، رغم كل ما يُقال عن مساهمتها.

الطريق إلى الإصلاح.. ليس مستحيلًا

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بقرار واحد، بل بتغيير فلسفة كاملة في إدارة التعليم العالي.

أولًا: إعادة تعريف دور الدولة

المطلوب ليس انسحاب الدولة، بل تغيير دورها، من إدارة التفاصيل إلى وضع الأهداف العامة وضمان الجودة، وترك التنفيذ للجامعات، مع محاسبة صارمة على النتائج، وتقليل صلاحيات المجلس الاعلى ووزارة التعليم العالي وتدخلاتهم.

ثانيًا: استقلال حقيقي للجامعات

لا يمكن الحديث عن جودة أو تنافسية في ظل غياب استقلال أكاديمي في تصميم البرامج والغاء بيروقراطية الموافقة على إنشاء برنامج جديد،واستقلال إداري في إدارة الموارد، واستقلال مالي في توظيف الإيرادات، والاستقلال هنا ليس رفاهية بل شرط أساسي للإبداع.

ثالثًا: اختيار القيادات بمعايير قابله للقياس بدقة لا بالجمل الفضفاضة والانطباع والتدخلات البشرية التي تخضع للأهواء ولا بالبرامج التي تحول البحر لطحينه بدون محاسبة على تنفيذ تلك البرامج بتوقيتات محددة، والحل لا في العودة للانتخاب، ولا في الاكتفاء بالتعيين، بل في بناء نظام موضوعي كمبيوتري يعتمد على:
اختبارات علمية
محاكاة مواقف حقيقية
تقييم الأداء السابق
المحاسبة على تنفيذ برامج المرشحين
وامكانيه انهاء مدتهم لو لم ينفذو ما اقترحوه
بما يضمن وصول من يستطيع الإدارة… لا من يجيد تقديم الوعود.

رابعًا: إنقاذ الأستاذ الجامعي

لا يمكن إصلاح التعليم دون إعادة هيكلة الرواتب، وضمان دخل عادل ومستقر ومعاش لائق، وربط الحوافز بالأداء الحقيقي، ولأن الاستثمار في الأستاذ هو استثمار في مستقبل الدولة.

خامسًا: ربط البحث العلمي بالواقع ومشكلات المجتمع

البحث العلمي يجب أن ينتقل من النشر من أجل الترقي” إلى “البحث من أجل الحل” وذلك عبر ربط التمويل والتقييم بمدى تأثير الأبحاث في المجتمع ومن الكم المحدد بعدد انتاج للكيف وقوة تأثيره على حل مشكلات حقيقية بالمجتمع والعلم ويتم تطبيقه

سادسًا: التحول إلى “الجامعة المدنية”
Civic universty
وهو التحول الأهم، حيث تصبح الجامعة شريكًا مباشرًا في حل مشكلات المجتمع من خلال عقود سنوية او خمسية بين الجامعة وبين المحافظة والوزارات المختلفة والمجتمع المدني، الكل له مسئوليات ودور، وعليه ان يؤديه لحل مشكلات المجتمع بالزامية وليس بروتوكلات تعاون غير ملزمة من خلال توجيه الأبحاث نحو القضايا الفعلية، وإشراك الطلاب في مشروعات حقيقية والاستفادة من مشروعات تخرجهم، التعاون مع الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني،بالزامهم بدور فعلي لخروج انتاج الجامعة للنور وخدمة المجتمع، وعبر إطار ملزم يحدد المسؤوليات على الحميع ويقيس النتائج بشكل محدد وواضح

سابعًا: مشكلة التخصصات التي يقال انها  بلا سوق عمل

المشكلة ليست في وجود تخصصات “بلا سوق عمل”، بل في غياب التكامل بينها كل تخصص يمكن أن يكون جزءًا من الحل إذا وُضع داخل منظومة متكاملة سيؤدي دوره على أكمل وجه

أخيرًا: ماذا نريد من الجامعة؟.. الجامعة ليست رقمًا في تصنيف، ولا مصنعًا لشهادات، ولا مجرد جهة تمنح درجات علمية. ولا هي عبء بسبب مجانية التعليم، وهي، في جوهرها، مؤسسة تصنع الوعي، وتنتج المعرفة، وتشارك في بناء المجتمع وتطوره ونهضته، وإذا استمر الوضع كما هو، ستظل الجامعات تنتج معرفة لا تُستخدم، أما إذا تحقق التغيير، فستتحول إلى قوة حقيقية تقود التنمية.

الفرق بين الحالتين ليس في الإمكانيات بل في طريقة الإدارة، وجرأة القرار، والإرادة في التغيير.