< د. وائل كامل يكتب: الجامعات المصرية بين الرواتب المتدنية والمناهج القديمة والتخصصات المهددة بالإلغاء
كشكول
رئيس التحرير
شيماء جلال

د. وائل كامل يكتب: الجامعات المصرية بين الرواتب المتدنية والمناهج القديمة والتخصصات المهددة بالإلغاء

د. وائل كامل
د. وائل كامل

 

في كل مرة يُطرح فيها ملف إصلاح التعليم العالي في مصر، يظهر نفس المشهد اجتماعات عاجلة، لجان جديدة، ووعود بربط التعليم بسوق العمل، لكن بعد سنوات من هذه الاجتماعات واللجان، ما زالت نفس المشكلات قائمة، والسبب بسيط: نحن نحاول علاج النتائج دون الاقتراب من الأسباب الحقيقية للأزمة، وآخر مثال على ذلك قرار تشكيل لجنة عليا لدراسة ربط البرامج الدراسية بسوق العمل خلال ٩٠ يومًا برئاسة وزير أسبق ورئيس جامعة أسبق.


لكن مراجعة البرامج الدراسية في عشرات الجامعات، وتحليل فرص توظيف الخريجين، ودراسة احتياجات سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا، هي مهمة بحثية كبيرة لا يمكن إنجازها بشكل علمي في ثلاثة أشهر فقط، لذلك يخشى كثيرون أن يتحول الأمر إلى تقرير سريع يضاف إلى أرشيف التقارير السابقة دون تغيير حقيقي.

 

لكن الأزمة في الحقيقة أعمق بكثير من مجرد لجنة أو تقرير.

أول وأخطر مشكلة داخل الجامعات المصرية هي 


تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس.. الأستاذ الجامعي الذي يفترض أنه يقود البحث العلمي ويطور المعرفة يعمل في كثير من الأحيان براتب لا يتناسب مع حجم مسؤوليته العلمية، هذا الوضع دفع بعض الأساتذة إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، مثل الاعتماد على عائد الكتاب الجامعي، وهو ما أدى عمليًا إلى تثبيت مقررات قديمة والاعتماد على كتاب واحد بدلًا من تعدد المراجع، وبهذا الشكل تتحول الجامعة تدريجيًا من بيئة علمية مفتوحة إلى نظام تعليمي يشبه المدرسة يعتمد على محتوى مقرر واحد ثابت لكل مادة.

 

المشكلة الثانية هي ضعف التخطيط التعليمي


التوسع في إنشاء كليات وتخصصات جديدة تم أحيانًا دون دراسة حقيقية لاحتياجات الاقتصاد وسوق العمل وبعد سنوات تظهر المشكلة، فيبدأ الحديث عن دمج التخصصات أو إلغاء بعضها، وكأن الخطأ في التخصص نفسه وليس في طريقة التخطيط له منذ البداية.

 

كما أن نظام الترقيات الأكاديمية يعاني خللًا واضحًا، ففي كثير من الأحيان يتم تقييم الأستاذ بعدد الأبحاث المنشورة أكثر من تأثيرها العلمي أو فائدتها للمجتمع، والأسوأ أن الأبحاث المشتركة بين تخصصات مختلفة – وهي أساس الابتكار في العالم اليوم – يتم تقييمها بطريقة ضعيفة، بل أحيانًا يتم حساب مساهمة الباحث فيها بالسطر والكلمة.


هذه الطريقة تجعل كثيرًا من الباحثين يتجنبون الاشتراك في الأبحاث البينية، رغم أنها الطريق الحقيقي لظهور تخصصات جديدة وابتكارات علمية.

 

ولا يتوقف الأمر عند ذلك فبيئة البحث العلمي نفسها لا تشجع الابتكار بالشكل الكافي، فعدد براءات الاختراع الناتجة عن الجامعات المصرية ما زال محدودًا مقارنة بالجامعات العالمية، رغم وجود آلاف الباحثين، السبب ليس نقص العقول، بل ضعف الدعم وربط البحث العلمي بالصناعة.

 

كما ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الإجراءات الإدارية المتعلقة بما يسمى النزاهة الأكاديمية أو ضوابط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي داخل الجامعات. 

ورغم أهمية تنظيم العمل الأكاديمي، فإن بعض هذه الإجراءات فُهمت على أنها تضييق على حرية النقاش داخل المجتمع العلمي، بينما الجامعة في الأساس يجب أن تكون مساحة للنقاش الحر وتبادل الأفكار.

 

وفي الوقت نفسه يتم الحديث عن الاستعانة بعلماء مصريين في الخارج، الفكرة في حد ذاتها جيدة، لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول إلى خطوة دعائية أو شكلية، بدلًا من أن تكون جزءًا من خطة حقيقية لربط الجامعات المصرية بشبكات البحث العلمي العالمية، كل هذه المشكلات تكشف أن الأزمة ليست في وجود تخصصات غير مطلوبة، بل في طريقة إدارة المنظومة التعليمية نفسها.

 

الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ أولًا بإعادة النظر في مكانة الأستاذ الجامعي، لأن أي نظام تعليمي لا يمكن أن يتطور إذا كان القائمون عليه يعملون في ظروف مالية غير عادلة، تحسين الرواتب ليس رفاهية، بل شرط أساسي للحفاظ على الكفاءات ومنع هجرة العقول.

 

ثانيًا، يجب تطوير المناهج بشكل مستمر وربطها بمهارات الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، مع دعم التخصصات البينية التي تجمع بين مجالات مختلفة.

 

ثالثًا، من الضروري إصلاح نظام الترقيات الأكاديمية بحيث يقيس جودة البحث وتأثيره، ويمنح تقديرًا حقيقيًا للأبحاث المشتركة بين التخصصات.

 

رابعًا، يجب تحويل الجامعات إلى مراكز للابتكار وربط البحث العلمي بالصناعة والاقتصاد، حتى تزداد براءات الاختراع وتتحول المعرفة إلى قوة إنتاج حقيقية.

 

كما يجب أن تتم كل خطوات الإصلاح بشفافية وعلانية، لأن القضية لا تخص الجامعات وحدها، بل تتعلق بمستقبل التعليم في مصر.

 

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن مصر لا تعاني نقصًا في العقول أو الكفاءات. المشكلة الحقيقية هي طريقة إدارة المنظومة التعليمية. وإذا استمرت نفس الطريقة، فإن اللجان ستتغير، لكن الأزمة ستبقى كما هي.

 

إصلاح التعليم لا يبدأ بدمج تخصص أو تشكيل لجنة


الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالمشكلة ثم تغيير طريقة التفكير التي صنعتها، لأن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي المكان الذي يُصنع فيه مستقبل أي دولة.