ملتقى “باب الريان” بالجامع الأزهر يناقش حسن الظن بالله
واصل الجامع الأزهر عقد ملتقاه الفقهي «باب الريان» تحت عنوان «حسن الظن بالله»، حيث استضاف الملتقى الأستاذ الدكتور أحمد خيري أحمد، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو اللجنة الرئيسة للفتوى بالأزهر الشريف، والشيخ السيد محمد عرفة، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، فيما أدار الحوار الشيخ أحمد محمد عبد العزيز، الباحث اللغوي بالجامع الأزهر، وذلك بحضور جمع من رواد الجامع الأزهر وطلاب العلم.
في مستهل الملتقى، أكد أ.د أحمد خيري أن حسن الظن بالله من أعظم مقامات الإيمان، مستشهدًا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسن الظنَّ بالله»، موضحًا أن حسن الظن بالله يقترن بالرجاء فيما عند الله تعالى، وأن العبد يعيش بين الخوف والرجاء، فبهما تتحقق الاستقامة ويبلغ الإنسان طريق النجاح في الدنيا والآخرة، وأضاف أن من الأحاديث الدالة على عظيم منزلة حسن الظن بالله ما جاء في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»، مؤكدًا أن حسن الظن من حسن العبادة، كما ورد في الحديث: «حسن الظن بالله من حسن العبادة”.
وأشار إلى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا النموذج الأسمى في حسن الظن بالله تعالى، مستشهدًا بقصة خليل الله إبراهيم عليه السلام حين كسر الأصنام وألقي في النار، فكان على يقين بأن الله سينجيه، وكذلك موقف السيدة هاجر عندما تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، فقالت بثقة ويقين عندما علمت أن هذا امر الله قالت: «إذن لا يضيعنا»، كما استشهد بقصة سيدنا موسى عليه السلام عندما أدركه فرعون وجنوده، وكان البحر أمامه، فقال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فرد عليهم بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، مبينًا أن هذه المواقف تجسد يقين الأنبياء وحسن ظنهم بالله تعالى.
وأكد الدكتور خيري أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدّم أعظم مثال في حسن الظن بالله، حين اختبأ في الغار مع سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه أثناء الهجرة، فقال له مطمئنًا: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، موضحًا أن هذه المواقف تعلم المسلم أن يثق بربه في جميع أحواله، وأن يدعو الله وهو موقن بالإجابة، وأن يُخرج الصدقة وهو على يقين بأن الله سيخلف عليه خيرًا في الدنيا والآخرة.
ومن جانبه، أكد الشيخ السيد محمد عرفة أن حسن الظن بالله من أجلّ العبادات وأعظمها أثرًا في حياة المسلم، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، مشيرًا إلى أن المسلم ينبغي أن يظل متعلقًا بربه طوال حياته، لا سيما في شهر رمضان المبارك الذي يمثل فرصة عظيمة للإقبال على الله تعالى.
وأوضح أن القرآن الكريم فتح أبواب الأمل والرجاء أمام العباد، مستشهدًا بما نُقل عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه حين سُئل عن أرجى آية في كتاب الله للمؤمنين، فذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، مؤكدًا أن هذه الآية تبعث في النفوس الأمل وتدعو إلى حسن الظن بالله والرجوع إليه.
وأضاف أن حسن الظن بالله يقود العبد إلى التوكل الصادق على الله، مستشهدًا بقصة أم سيدنا موسى عليه السلام حين أوحى الله إليها أن تلقي ابنها في اليم، فامتثلت لأمر الله وهي موقنة بوعده، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، مشيرًا إلى أن الدعاء مع اليقين بالإجابة من أعظم مظاهر حسن الظن بالله، داعيًا المسلمين إلى الإقبال على الله والثقة برحمته وفضله.
وفي ختام الملتقى، استمع الضيفان إلى أسئلة الحضور حول عدد من القضايا المتعلقة بالأمور الفقهية الدينية والدنيوية، وأجابا عنها في ضوء المنهج الأزهري الوسطي، بما يعكس رسالة الأزهر الشريف العلمية والدعوية، ودوره الديني والتوعوي في خدمة المجتمع.
ويأتي ملتقى «باب الريان» في إطار ترسيخ الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تنظيم منظومة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تستهدف تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وخدمة المجتمع.