نائب رئيس جامعة الأزهر: الجيش المصري ظلَّ ثابتًا على عقيدته في حماية الأرض وصون المقدسات
واصل مجمع البحوث الإسلامية بالتعاون مع جامعة الأزهر فعاليات الأسبوع الدعوي التاسع عشر الذي تعقده اللجنة العليا لشئون الدعوة بـجامعة الأزهر، وذلك تحت عنوان: «انتصارات العاشر من رمضان واستشراف المستقبل» برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وفضيلة الدكتور سلامة جمعة داود، رئيس الجامعة.
وشهدت كلية الزراعة بجامعة الأزهر ثاني فعاليات الأسبوع بندوة بعنوان: «الدعايات الصهيونية وسبل مواجهتها»، بحضور الدكتور محمود صديق، نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث، والدكتور محمد مبروك الديناصوري، عميد كلية الزراعة، والدكتور إسماعيل عبد الله وكيل الكلية لشئون التعليم والطلاب، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة، والدكتور عبد الحميد شلبي، أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر، إلى جانب عدد من قيادات الجامعة وعلمائها.
وفي مستهل الندوة أوضح فضيلة الدكتور محمود صديق، نائب رئيس الجامعة، أن انتصار مصر في حرب العاشر من رمضان لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل كان تحولًا تاريخيًّا زلزل العالم وأسقط ادعاء «الجيش الذي لا يقهر»، وأعاد الثقة إلى الأمة، ورسخ معنى الإرادة والقدرة على التغيير، مؤكدًا أن الأمل الحقيقي معقود على وعي الشباب؛ لأن قوة الأمن والاستقرار تبنى بسواعدهم وعقولهم، وهو ما يقتضي الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية وفي مقدمتها جيش مصر، الذي ظلَّ ثابتًا على عقيدته في حماية الأرض وصون المقدسات، ولم يحد يومًا عن واجبه تجاه وطنه، وهو ما مكنه من تحقيق النصر التاريخي في حرب العاشر من رمضان على الصهاينة، وتحرير أرض سيناء، موضحًا أن التاريخ يشهد بأن جيش مصر كان عبر العصور الحصن المنيع الذي انكسرت على أعتابه محاولات الغزو والعدوان، وظل درع الأمة وسيفها في مواجهة محاولات النيل من الوطن.
وبين أن جذور المشروع الصهيوني تعود إلى مؤتمر عام 1897م الذي دعا إليه هرتزل بهدف إقامة وطني قومي لليهود، موضحًا أن اليهود عبر فترات طويلة من التاريخ عاشوا في أمان داخل المجتمعات الإسلامية، غير أن الفكر الصهيوني قام على عدة تأويلات انتقائية للنصوص الدينية؛ لخدمة مشروع سياسي توسعي، كما أن مواجهة هذه الادعاءات لا تكون إلا بالوعي بالتاريخ، والتحقق من الحقائق، وبناء عقل نقدي قادر على التمييز بين النصوص الدينية في سياقها الصحيح، والاستخدام السياسي المنحرف لها، مضيفًا أن الحضارة الإسلامية قامت على احترام الآخر وعدم إقصائه، ولم تعرف البشرية حضارة أعلت من الأخلاق مثلما فعلت الحضارة الإسلامية، في البلاد والمجتمعات الإنسانية، موضحًا أن الصهاينة استغلوا أدوات الدعاية لتشويه صورة العرب والمسلمين، والترويج لادعاءاتهم الزائفة على أنها صراع ديني، مع أنها في حقيقة الأمر لا تتصل بجوهر الأديان كما يزعمون، وإنما هو مشروع سياسي توسعي في جوهره؛ إذ إن القتل والاعتداء على الأرض وسلب الحقوق لا يمت إلى القيم الدينية بصلة، بل يعكس صورة من صور الاستعمار القائم على فرض الأمر الواقع بالقوة وتزييف الوعي.
وأضاف الدكتور عبد الحميد شلبي، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية اللغة العربية بالقاهرة، أن الشباب المصري يتمتع بوعي راسخ تجاه القضية الفلسطينية، ولم تنطل عليه الدعاية الصهيونية كما حدث في بعض المجتمعات الأخرى، وهذه الدعاية قامت على ركيزتين أساسيتين: فكرة «الأرض الموعودة» وفكرة «القومية»، لكن المصادر التاريخية تؤكد أن أرض فلسطين كان يسكنها الكنعانيون العرب منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وأن الشعار الصهيوني «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» الذي روج له في أواخر القرن التاسع عشر، خاصة مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م يتجاهل حقيقة الوجود التاريخي المتواصل لشعب أصيل على هذه الأرض، كما أن الحديث عن قومية ممتدة منذ مملكة النبي سليمان -عليه السلام- لا يستقيم تاريخيا؛ إذ إن الكيان السياسي لليهود زال بعد الاحتلال الروماني وتدمير القدس عام 70م، ثم تشتتوا بصورة أكبر عقب أحداث عام 135م، مما يفند دعوى الاستمرارية القومية بالمعنى الحديث، ومصطلح القومية في مفهومها المعاصر تقوم على وحدة اللغة والثقافة والتاريخ المشترك، لا على توظيف سرديات دينية أو تاريخية لخدمة مشروع سياسي معاصر.
وبيَّن أيضًا أن عام 1917 مثل مرحلة مفصلية في وضع الأساس للكيان الصهيوني أثناء الحرب العالمية الأولى؛ حيث انتقلت الفكرة إلى حيز التنفيذ بدعم بريطاني واضح توج بإجراءات سياسية وإدارية على أرض الواقع، وقام المشروع على محورين رئيسين: تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، والعمل على تهجير الفلسطينيين تدريجيا عبر سياسات الضغط والشراء المنظم للأراضي، مشددا على أن الادعاء بأن الفلسطينيين باعوا أرضهم بإرادتهم ادعاء ظالم مجحف؛ إذ إن عمليات البيع تم عبر ملاك من بعض بلاد الشام كانوا يملكون مساحات مسجلة بأسمائهم، بينما ظل المواطن الفلسطيني هو المقيم الحقيقي على الأرض، الذي كان يمتلك الوعي بخطورة هذه السياسات، وقد تجلي هذا الوعي مبكرا في احتجاجات وثورة يافا عام 1920م، التي عبرت عن رفض شعبي واسع للمشروع الصهيوني وسياسات الانتداب، ومثلت بداية سلسلة من التحركات الوطنية دفاعا عن الأرض والهوية.
وفي كلمته أكد الدكتور محمد مبروك، عميد كلية الزراعة، أن الأسبوع الدعوي يمثل منصة علمية وتربوية مهمة لضبط وعي الشباب الجامعي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وترسيخ القيم الوطنية والإنسانية في نفوسهم كما أن هذه الفعاليات تتسق مع مبادرة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية «بناء الإنسان»، من خلال الاستثمار في الوعي والفكر، وصناعة شخصية متوازنة قادرة على التمييز بين الحق والباطل، ومواجهة حملات التضليل والشائعات بالفهم الرشيد والعلم الصحيح.
بدوره أوضح الدكتور حسن يحيى أن القضية في جوهرها ليست مجرد نزاع على قطعة أرض أو حدود جغرافية، بل هي صراع يرتبط بالهوية والعقيدة والوعي، وأكد أن تحويلها إلى صراع على الأرض وحدها يفرغها من أبعادها الحقيقية؛ لأن المعركة الحقيقية تدور حول طمس الهوية وتشويه الوعي ومحاولة فرض رواية أحادية للتاريخ.
وبيّن فضيلته أن تاريخ الأعداء واضح، ومن هنا تأتي أهمية وعي الشباب المصري؛ لأن العدو يسعى إلى أن يكونوا أداة بلا هدف، في حين أن ما يحصن المصريين هو تمسكهم بعقيدتهم الراسخة.
وأضاف أمين اللجنة العليا للدعوة أن من الدعايات الصهيونية؛ السعي إلى تحريف مفاهيم القرآن الكريم والسنة النبوية باستخدام أدوات مختلفة، في محاولة لإحداث قطيعة بين المسلمين ودينهم -القرآن الكريم والسنة النبوية- باسم التنوير والحداثة، تهدف إلى تجريد الشباب من قيمهم الأصيلة؛ لأنهم مدركين أن الجندي المصري يدخل المعركة على أساس عقيدة واحدة: إما الشهادة أو النصر، وأن فصل الشباب عن عقيدتهم يسهل على العدو تحقيق أهدافه من خلال نشر أفكار منحرفة ودعاية مسمومة؛ لأن تحليل المحرمات وإشاعة الفاحشة باسم التنوير مخططات صهيونية تعبث بأمن الوطن واستقراره، هذه التحديات تفرض مسؤولية مضاعفة على المؤسسات العلمية والدعوية لترسيخ الفهم الصحيح، وتحصين الشباب بالفكر المستنير القادر على إدراك أبعاد الصراع، والتمييز بين الحقائق والأكاذيب، والدفاع عن الثوابت بروح واعية ومنهج علمي رصين.
وفي ختام كلمته ملته أوصى أمين اللجنة العليا للدعوة الشباب بإن لا يسلموا عقولهم لهذه الدعاية المسمومة والأفكار التي تحاول هدم وعيهم؛ لأن ضياع الوعي هو خيانة للنصر الذي حققه آباؤنا وأجدادنا.