الإمام الأكبر: الوسطية ليست ضعفا ولا ترددا بل هي العدل
تحدث فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، عن خاصة لأمة الإسلام وهي خاصة الوسطية التي نقرأها في قوله تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس”، والتي تمهد بدورها للشهادة على الناس. ومرة أخرى هي أوصاف ثلاثة وصفت بها هذه الأمة في القرآن الكريم وهي على الترتيب: الهداية إلى الصراط المستقيم، الوسطية، الشهادة على الناس.
وتابع المفتي في فيديو سابق له: وقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم الوسط بأنه العدل، بما يعني أن الأمة الوسط هي الأمة التي تتصف بصفة العدل. وسمي الوسط عدلا لأنه نقطة متوسطة تماما، التوسط بين طرفين لا تميل قيد شعرة إلى أي طرف من الطرفين المتقابلين. وهذا ما قاله المفسرون في قوله تعالى: "قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون" أي قال أعدلهم. وكذلك قال الحكماء: "الوسط من كل شيء أعدله وأفضله"، وإذا كان الوسط هو العدل، فهو مستلزم بالضرورة معنى الخيرية والأفضلية، وبحيث يصدق أن كل وسط خير وكل وسط أفضل من طرفيه دائما.
وأكمل: وقديما تنبه الفيلسوف اليوناني الكبير أرسطو إلى قيمة الوسط كمعيار خلقي يميز به الفضائل من الرذائل، فعرف الفاضلة بأنها ما كانت وسطا بين رذيلتين، وضرب لذلك مثلا الكرم وكيف أنه صار فضيلة لأنه وسط بين رذيلتين هما الإسراف والبخل، وكذلك الشجاعة فضيلة لأنها وسط بين رذيلتين هما الجبن والتهور، والعدل فضيلة لأنه وسط بين رذيلتين هما الظلم والمحابة.
وأضاف: ونتساءل الآن عن معنى وصف الأمة الإسلامية بالوسط ومغزى هذا الوصف. وقبل الإجابة على هذا السؤال يلزم التنبيه إلى أن القرآن الكريم حين يصف الأمة الإسلامية بأنها أمة الوسط، أي أمة العدل، فإنه لا يعني أن هذا الوصف ثابت لكل فرد من أفراد هذه الأمة، وأن كل فرد من أفرادها عادل لا يظلم ولا يعتدي ولا يجور على أحد في قول أو فعل. فهذا ما لم يحدث ولن يحدث لأي مجتمع من مجتمعات البشر، وإنما المقصود ثبوت وصف العدل لمجموع الأمة لا لجميعها. والفرق بين الحكم على المجموع والحكم على الجميع أن الحكم على المجموع لا يتجه على الأفراد وإنما يتجه على المفهوم العام والمعنى الكلي، أما الحكم على الجميع فهو الحكم الذي يتجه على كل فرد من أفراد المحكوم عليه.
وأضاف: فأنت حين تقول مثلا: "المصريون كرماء" فإن قولك هذا صادق، لكن لا على أن كل مصري موصوف بهذا الوصف، لأن بعض المصريين لا يعرف عنه الكرم، بخلاف قولك: "المصريون عرب" فإن هذا القول صادق وفي الوقت نفسه ثابت لكل فرد من أفراد المصريين، وعلى هذا المنوال نفهم قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" أي عدولا، وأن العدل وصف للأمة في مفهومها وعنوانها العام وليس وصفا لها باعتبار أفرادها.
وأوضح: ويؤخذ من الآية الكريمة أيضا أن التعديل الإلهي لهذه الأمة يكسبها الحصانة من الخطأ والضلال فيما تنتهي إليه من إجماع على رأي أو فعل أو قول أو تشريع. ومن هنا كان إجماع الأمة مصدرا من مصادر التشريع يجب العمل به، ويحتج المسلم به يوم القيامة. وهذا الإجماعمعصوم من الخطأ، وعصمته ليست بسبب الأمة أو بسبب شخصيتها، فهي أمة كسر. بسبب الأمة أو بسبب شخصيتها فهي أمة كسائر الأمم يجوز عليها بالنظر إلى ذاتها الخطأ والصواب ولكنها استحقت هذه العصمة بسبب التعديل الإلهي لها، وهي تجتمع وتبحث وتتفق على رأي ما من الآراء.