< الإيجار الميسر: توجه حكومي لحل أزمة السكن للشباب.. والحريري يحذر من «جغرافيا فقر» جديدة
كشكول
رئيس التحرير
شيماء جلال

الإيجار الميسر: توجه حكومي لحل أزمة السكن للشباب.. والحريري يحذر من «جغرافيا فقر» جديدة

كشكول


قال البرلماني السابق هيثم الحريري، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إن إعلان الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، التوسع في نظام الإيجار لتوفير سكن للشباب غير القادرين على سداد مقدمات أو أقساط التمليك، يبدو في ظاهره طرحًا إنسانيًا وواقعيًا، لكنه يثير في جوهره تساؤلًا أعمق: هل تمضي الدولة نحو حل أزمة السكن، أم نحو إعادة إنتاج أزمة اجتماعية بصيغة جديدة؟

وأوضح الحريري في منشور عبر  فيسبوك، أن الاعتراف الرسمي بعدم قدرة شريحة واسعة من الشباب على تملك وحدات سكنية يمثل خطوة مهمة، في ظل غياب السيولة لدى كثيرين، وصعوبة الالتزام بتعاقدات طويلة الأجل، فالإيجار يمنح مرونة في بدايات الحياة العملية، ويخفف من أعباء الديون المبكرة، كما قد يساهم في تهدئة الطلب على الشراء إذا طُبّق وفق أسس مدروسة. غير أن الإشكالية، بحسب قوله، لا تتعلق بفكرة الإيجار ذاتها، بل بآليات تنفيذها.

الإيجار الميسر
يرى الحريري أن الحديث عن إيجار ميسر يفقد معناه إذا لم يُربط بمستويات الدخل الحقيقية، سواء الحد الأدنى للأجور أو دخول أصحاب المعاشات ومتوسط دخول الشباب؛ فغياب هذا الارتباط يضع المواطن أمام معادلة قاسية بين السكن واحتياجات أساسية كالصحة والغذاء.

كما شدد على أن مساحات الوحدات ليست تفصيلًا هامشيًا، محذرًا من أن الوحدات الضيقة غير الملائمة لحياة أسرية مستقرة قد تُنتج لاحقًا مشكلات اجتماعية ونفسية وتسربًا تعليميًا.

واعتبر الحريري أن المطلوب وحدات آدمية قابلة للنمو الأسري، لا مجرد أرقام تُدرج في بيانات رسمية.

مخاطر العزل المكاني
وفيما يتعلق بالتخطيط العمراني، حذر الحريري من تكرار نموذج تجميع وحدات الإيجار في أطراف المدن أو في مناطق معزولة عن فرص العمل والمواصلات والخدمات، معتبرًا أن ذلك يعيد إنتاج ما يُعرف بـ"العزل المكاني الطبقي".

وأوضح أن حصر فئات محدودة الدخل في تجمعات منفصلة على هامش المدينة يؤدي إلى تهميش مستدام، ويضعف فرص الترقي الاجتماعي، ويزيد احتمالات تفاقم مشكلات الجريمة والاغتراب. ودعا إلى دمج وحدات الإيجار داخل المدن القائمة، إلى جانب الإسكان المتوسط والاستثماري، وبالقرب من شبكات النقل وفرص العمل، حفاظًا على التوازن الاجتماعي.

الإيجار التمليكي
واعتبر الحريري أن أي منظومة إيجار لا تنتهي بالتمليك قد تخلق شريحة من المستأجرين الدائمين بلا أصول أو تراكم ثروة أو أمان مستقبلي. وفرق بين الإيجار التقليدي الذي يستهلك الدخل، والإيجار التمليكي الذي يمكن أن يتحول إلى استثمار اجتماعي.

واقترح نموذجًا يتضمن احتساب جزء من القيمة الإيجارية كدفعة شراء، على أن تنتقل الملكية بعد فترة زمنية محددة تتراوح بين 7 و10 سنوات، مع مرونة في السداد مرتبطة بالدخل، وإتاحة خيار الخروج من المنظومة دون فقدان ما تم سداده. واعتبر أن هذا النموذج وحده يحقق استقرارًا حقيقيًا ويجعل السكن أداة لبناء المستقبل لا عبئًا دائمًا.

الصيانة والإدارة
وأكد القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي أن نجاح أي مشروع إسكان مرهون بوجود منظومة إدارة وصيانة مستدامة، محذرًا من تحول المشروعات إلى مبانٍ متهالكة خلال سنوات قليلة حال غياب الإدارة الاحترافية.

ودعا إلى إنشاء كيان مهني مستقل لإدارة المجمعات، وإبرام عقود صيانة واضحة تشمل المرافق والخدمات الأساسية، وفرض رسم صيانة رمزي ضمن قيمة الإيجار، إلى جانب وضع جداول مراجعة دورية وآلية شكاوى بزمن استجابة محدد، مشددًا على أن تسليم الوحدات يمثل بداية دور الدولة لا نهايته.

وقال الحريري إن الإيجار ليس مجرد سقف يؤوي المواطنين، بل سياسة اجتماعية وتخطيط عمراني وأداة لتحقيق العدالة الاقتصادية، محذرًا من أن تجاهل ربطه بالدخل، ودمجه داخل المدن، وضمان تمليكه، وإدارته باحتراف، قد يؤدي إلى تأسيس "جغرافيا فقر" جديدة بدلًا من حل أزمة الشباب السكنية.

تنويع آليات الطرح
ووجه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، بسرعة طرح وحدات سكنية بنظام الإيجار، تنفيذًا لتكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتوسيع مظلة الحماية السكنية وتلبية احتياجات محدودي الدخل.

وأوضح رئيس الوزراء، خلال مؤتمر صحفي، أن الدولة تمنح ملف الإسكان أولوية متقدمة، خاصة فيما يتعلق بتوفير بدائل مناسبة لغير القادرين، مشيرًا إلى أن التوسع في نظام الإيجار يمثل أحد الحلول لتخفيف الأعباء عن المواطنين وتوفير سكن ملائم بشروط ميسرة.

وأشار مدبولي إلى أن الحكومة تعمل وفق توجيهات القيادة السياسية على تنويع آليات الطرح بين التمليك والإيجار، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة الاجتماعية ويلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع.