رودي نبيل تكتب: «الامتحانات بعينٍ محايدة»
ما يحدث ونراه في المشهد التعليمي اليوم لا يمكن أبدًا اختزاله في جملة واحدة أو رأي واحد، ولا حتى في اتهام مباشر، ولا في إنصاف، أو حتى في دفاع مطلق، الصورة أعقد وأعمق من ذلك بكثير، لأننا أمام مشهد عام لمنظومة كاملة، كل طرف فيها قد يتأثر بما يحدث للطرف الآخر، والطالب وولي الأمر في قلب الأحداث، من هذه الضغوط والدائرة المفرغة. لا يمكن تهميشه ببساطة؛ فهو المنتج النهائي والمستهلك أيضًا، بلغة الدرجة الأولى.
الكتب الخارجية.. هذا المصطلح الذي ظننا أنه يتراجع، هل هو بديل مساعد أم مسار إجباري؟.
لا يمكن إنكار أن أسلوب أو فكرة كتاب التقييم، في أصلها، فكرة جيدة وهادفة، وأولى أهدافها ـ من وجهة نظري ـ توحيد مصادر التعلم، وهو هدف رائع، وتقليل الضغط المالي قدر المستطاع على الأسرة، بل وإعادة الثقة في الكتاب المدرسي، لكن هل هذا ما حدث على أرض الواقع؟.
عندما يجد ولي الأمر نفسه مضطرًا لشراء كتاب التقييم، بالإضافة إلى كتاب خارجي، هنا تكمن المشكلة. وكان حلها ببساطة أن تكون الرقابة كافية على ما أُلزم به سيادة الوزير، وهو ألّا تأتي أسئلة الامتحان إلا من كتب التقييم فقط.
هنا لا تصبح المشكلة في كتب التقييم، ولا في ثمنها أبدًا، ولا في الفكرة، بل في تطبيقها، وكيفية الاستفادة منها، والرقابة عليها. فتنفيذ الفكرة واقعيًا أهم، أو لا يقل أهمية، عن الفكرة نفسها، الأسرة لا تنفق على الكتاب الخارجي حبًا فيه أبدًا، ولا لأنها تملك أموالًا زائدة، بل خوفًا من المجهول، والخوف بكل أشكاله لا يصنع تعليمًا مستقرًا.
الامتحان على المنصات أو الإلكتروني.. فكرة تكاد تكون مناسبة للعصر، لكن بأعطال تقليدية!؟ التحول الكبير والرقمي في الامتحانات وغيرها خطوة مهمة، ولا أحد ينكر أنها تسير وتواكب اتجاه العصر، لكن المشكلة أن الأعطال متكررة منذ سنوات، بنفس التكنيك ونفس السيناريو؛ تابلت يهنج، أو منصة تخرج، طالب يحتار لا يعرف هل الامتحان تسلّم أم لا، في حين أنه في أمسّ الحاجة للاطمئنان لا للتوتر داخل اللجنة، وقلق ينتقل من الطالب إلى البيت في دقائق، فتظل أولياء الأمور في حيرة وجدال مستمر.
هنا يجب أن نواجه المنطق: الطالب لا يُحاسب على عطل تقني، ولا يتحمل هذا العبء النفسي الذي لا يد له فيه، وأن تكرار نفس المشكلة بهذا الشكل يحوّل أي فكرة جيدة إلى عبء نفسي، التطوير لا يعني أفكارًا جديدة فحسب، بل امتلاك أداة حديثة وبشرًا مدربين، بل إن ضمان الهدوء النسبي والاستقرار قبل تعميمها قد يكون جزءًا هامًا مفقودًا؛ لأن الامتحان ضغط عصبي ومادي، وتجربة مرهقة للكل، بل لحظة فاصلة وأحيانًا مرعبة في عمر الطالب.
تعدد نماذج الامتحان.. عدالة على الورق، وربما واقعيًا جدال وقلق، وجود أكثر من نموذج للامتحان في حد ذاته ليس خطأ، بل هو إجراء منطقي، وربما طبيعي، لمواجهة الغش، لكن العدالة كيف تُقاس؟ هل بعدد النماذج، أم بتكافؤ مستوى الصعوبة بينها؟!.
وعندما تعاني الطلاب من اللجان، حتى وإن قصّر الطالب، سيظل دائمًا في جدال وصراع نفسي، وكل مجموعة تحكي حكاية وتجربة مختلفة تمامًا عن الأخرى، وهنا يستمر ويبدأ الجدل، حتى لو من وجهة نظر الوزارة أن النماذج متقاربة، ونعلم أن النية خير، المشكلة هنا ليست في نية القرار أبدًا، ولا في أولياء الأمور، بل في أثره النفسي على الطالب وأسرته؛ لأن شعور الطالب بالظلم، حتى لو كان هو المقصر، لن يزول، حتى لو لم يكن حقيقيًا بالكامل، وبكل أسف تنهار الثقة.
هنا لا نحتاج أبدًا المزيد من القرارات الجديدة، بل آلية دعم وتفتيش لتنفيذ ما قُدم بكل وضوح، وسريعة، ومعلنة قبل الماراثون الكبير وبدء الامتحانات، لا بعدها، والاستماع والاستفادة من الأخطاء السابقة، وإلى صوت ولي الأمر. ومواجهة هذا الأمر لا تكون فقط بالمنع، بل بإعادة بناء الإحساس بالثقة وبالعدالة داخل اللجنة وخارجها.
العنف الغريب والخناقات.. عرض لمرض أكبر وأعمق. الخناقات والعنف داخل المدارس أثناء الامتحانات، نعم، تظل أحداثًا فردية، لكنها مؤشرات على ضغط عصبي ونفسي هائل. طالب قلقان ومتوتر، أسرة أشد توترًا وخائفة، ومنظومة لا تحتمل أي نوع من الخطأ، فينفجر الغضب بشكل مفاجئ في أبسط موقف، هل الحل في الأمن والشرطة فقط؟، أم علينا البحث في الأسباب والدوافع؟.
التعامل الأمني وحده لا يمكن أن يكفي، لأن المشكلة تربوية وعميقة جدًا ونفسية في الأساس، وتحتاج إلى معالجة الأمور من الأعمق ومن الجذور، لا في مواسم معينة أو في الامتحانات فقط، بين وجهة نظر وأخرى، لا بد أن نقف بين الوزارة وواقع الأسرة، قد تكون الكثير أو بعض القرارات صحيحة من حيث المبدأ، لا شك في هذا، وربما تكون مدروسة تمامًا على الورق، لكن التطبيق يحتاج دعمًا ويحتاج جهدًا، والتطبيق غير المحكم يشوه الفكرة ويحولها إلى مادة جدل مستمر.
ليس من الضروري أو المنطقي أن يسير كل الصحيح دفعة واحدة، وربنا ما يصح إلا المتاح؛ لأن التطبيق الجزئي المبدئي أو المرتبك، في بعض الأحيان، يكون أكثر جدلًا أو ضررًا من التأجيل، أولياء الأمور هنا ليسوا خصومًا أبدًا، بل شركاء، وصوتهم ليس اعتراضًا على التطوير، بل واقعًا أو خوفًا على أولادهم، والسماع إليهم من الحكمة أيضًا، التطوير يبدأ أولًا من البشر قبل القرارات، وستظل أي منظومة تعاني كثيرًا طالما الرقابة غير الكافية على التنفيذ وكيفية التنفيذ.