رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

نص كتاب الأزمة بين الخشت والطيب.. رئيس جامعة القاهرة: "المنهج التفكيكي هو الحل" (1-2)

الخميس 27/فبراير/2020 - 03:02 م
كشكول
باهر عبد العظيم
طباعة
Advertisements

وضح رئيس جامعة القاهرة، محمد عثمان الخشت، مقصده من تفكيك الخطاب الديني، الذي ذكره في كتابه "نحو تأسيس عصر ديني جديد"، فيقول: "التفكيك ليس للدين نفسه، إنما للفكر الإنساني الديني الذي نشأ حول الدين الإلهي، والذي صنع أنساقًا ومذاهب متضخمة مثل قصور من الخرسانة لكنها على رمال".

يحرص الخشت على بيان أن المقصود من تفكيك الخطاب الديني، ليس التفكيك الجذري على طريقة الغربيين، من أمثال (جاك دريدا) - يقصد بتفكيك دريدا (تفكيك من أجل التفكيك)، واتخاذ التفكيك مذهبًا وغاية وليس وسيلة وأداة – وأن تفكيك الخطاب الديني الذي يقصده الخشت، هو "المنهج التفكيكي" وليس "المذهب التفكيكي"، فالأول يعمل على إعادة بناء الخطاب الديني على أرض نظيفة بعيدة عن الموروث القديم.

يقول رئيس جامعة القاهرة: "التفكيك المرفوض هو الذي لا يعيد البناء؛ وهو التفكيك من أجل التفكيك، ونتيجته لا محالة هي الفوضى التي يريدها أعداء الإسلام والوطن سواء من الخارج أو الداخل".

وبينما ينتقد الخشت المذهب التفكيكي والعدمي للنصوص، يدافع عن التفكيك المنهجي، فيقول: "من دون التفكيك المنهجي لا يمكن الخروج من تلك الحالة من التجمد التي تسيطر على الخطاب الديني التقليدي منذ قرون طوال ليس فقط فوق منابر الإعلام والوعظ، وإنما أيضًا فوق منصات تدريس العلم والبحث في العلوم الشرعية والإنسانية".

الخشت إذن يفرق بين المذهب التفكيكي والعدمي للنصوص، والذي ينسفها نسفًا، وبين المنهج التفكيكي الذي يعد طريقة في التعامل مع الموروث من النصوص والأراء، والذي يعمل على إعادة طرحها وفهمها من جديد بما يناسب العصر.

يتابع الخشت في كتابه: "الدين مثل الماء؛ الماء سبب الحياة المادية، والدين سبب الحياة الروحية، درجة الحراة المنخفضة تحول الماء إلى مادة صلبة، والتقليد يحول الفكر الديني إلى قصر من الخرسانة المتجمدة، لكنه يقف على أقدام فخارية. الماء لا يمكن ان يُشرب ويرتوى منه دون أن يتحول إلى سائل مرن، والدين لا يحيي روح الإنسان ويُصلح الواقع المتجدد دون أن يكون الفهم الإنساني له متجدد دومًا".

تحديات التجديد

يذكر الخشت أن من التحديات التي تواجه عملية تفكيك الخطاب الديني، الإصرار على التقيد بالقديم، من دون السعي إلى إقامة أبنية فقهية جديدة،   فيقول: "لا تستطيع أن تبني بناءً جديدًا على بناء قديم، هذه مسألة بديهية، ومع ذلك يجاهلها أغلب دعاة التجديد. الأمر يبدو واضحًا، لابد قبل الشروع في تكوين وبناء خطاب ديني جديد أن نقوم أولًا بعملية تفكيك علمي للخطاب الديني القديم، الذي أوصل أمتنا إلى ما وصلت إليه من خلل في التصورات والرؤى الحاكمة". موضحًا أن التفكيك لابد أن يسبق عملية البناء.

يعود رئيس جامعة القاهرة ليؤكد على أن التفكيك ليس تفكيكًا على شاكلة المشككين الذين ساهموا في استمرار عملية السيولة التي تهدد الأوطان، وليس تفكيكًا عدميًا مثل ذلك التفكيك المروع الذي حدث مع جاك دريدا، ورفاقه في مرحلة ما بعد الحداثة التي تنكرت لكل مرجع، وألغت كل جوهر، ودعمت اللامركزة والتشظي.

 

يحدد الخشت موقفه النهائي من عملية التفكيك، في كتابه "نحو عصر ديني جديد"، فيقول: "التفكيك الذي ندعو إليه هو النقد والتحليل العقلاني، الذي يتمركز حول العقل المعياري، ولا ينكر الحقيقة الموضوعية، بل يدعو إلى اكتشافها. ولا ينكر وجود قيم مطلقة، بل يتحرى الوصول إليها بمعاير علمية صارمة. ولا يتنكر للإلهي، بل يقصد إليه شعوريًا في عملية توحيد خالية من الشرك ليس في العقيدة والعبادة فقط، بل في المعاملات والحياة وأيضًا".

الخشت ينتقد، التفكيكية الجذرية، والنزعة العدمية، فيقول: "تزعزع أسس العلم والفكر العقلاني... لذا فإن التفكيكية الجذرية خطر، ليس على الدين فحسب بل على العلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية، والاجتماعية، فالعقل الإنساني لا يمكن أن يصنع علمًا دون أن يكون له مركز أو فكرة حاكمة".

تفكيك المرجعيات

يطالب الخشت في تلك الجزئية بالعودة إلى المراكز الأولى للعلم والفكر والدين؛ حيث النقاء والخصوبة، وهذا لن يحدث إلا بالعمل على هدم المذاهب المغلقة والمراكز المزيفة التي اصطنعها المتطرفين، وفقهاء السلطان وفقهاء البحث عن السلطان، وعند القيام بهذه الخطوة ستصبح الأرض ممهدة لتأويل جديد يأخذ بأسباب الاجتهاد وبأسباب العصر.

ووصف الخشت في كتابه، الجمود والتمسك بالمنظومات القديمة، بأنها ليست مجرد جاهلية جديدة تعجز عن مواكبة العصر، بل خروج عن حركة التاريخ، وقال: "هذا ما نعيشه الآن على الرغم من كل مظاهر الحداثة الزائفة التي نستوردها ونستهلكها حتى الإدمان، فأفكارنا تحلق في جاهلية جديدة متقنعة بأقنعة الحداثة، وعقولنا تعجز عن التفوق على الشرق، مثلما تعجز عن منافسة الغرب". وتابع: "حالة الجمود المطلق لا تقل خطورة عن التفكيك المطلق التي يريد البعض أن يوقعنا بها في رمال متحركة يستحيل معها وجود حد أدنى ثابت للمعنى أو القيم أو الغاية القصوى".

 

 

الخشت والحقيقة

وفيما يعد إجابة على سؤال شيخ الجامع الأزهر، فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، حول الحقيقة ومدى كونها مطلقة من عدمها، وهو السؤال الذي طرحه الإمام على الدكتور الخشت، في المؤتمر العالمي "تجديد الفكر الديني" برعاية الأزهر، يرفض رئيس جامعة الأزهر المذاهب التي تدعو إلى التفكيكية المطلقة، وعدم الإيمان بالثواب أو وجود حقيقة.

يقول: الجمود المطلق لا يقل سوءًا عن حالة التفكيك المطلق، التي يريد البعض أن يوقعنا بها في رمال متحركة يستحيل معها وجود حد أدنى ثابت، للمعني أو القيم أو الغاية القصوى، وهما حالتان نقيضتان نعاني منهما معًا، فالتفكيكية الجذرية التي تشكك في كل شيء، وتهدم كل المرجعيات بلا استثناء، في تصوري أنها تفكيكية مفرطة تنتج في المقابل رد فعل بالغ التطرف، فكل إفراط يطرح نقيضه من التطرف المقابل، لذلك نحن نعاني صراع المتطرفين".

يتابع الخشت في تلك الجزئية: "تنسى التفكيكية الجذرية أن الإنسان لا يستطيع غالبًا أن يعيش الحياة من دون مركز مثله في ذك مثل اكواكب، والأقمار، والإلكترونيات، في الطبيعة، وكثير من الناس ... لا يمكنهم أن يواصلوا الحياة دون وجود وشائج بينهم وبين مراكز المعني المطلق لحياة الإنسان الروحية: الله، الروح، إمكان العدالة المطلقة في لحظة ما في المستقبل. فلولا وجود تلك المراكز للحياة الواقعية لكان كل شيء مباحًا، ولا نهارت منظومة القيم، ولانعدم معنى الحياة نفسها".

يتابع رئيس جامعة القاهرة: "التفكيكية الجذرية تخالف الموقف الإنساني الطبيعي؛ فالإنسان غالبًا لا يستطيع أن يعيش من دون اعتقاد بالمعنى الواسع، ولم تقدم التفكيفية الجذرية بديلًا مذهبيًا يمكن الإرتكاز إليه ، بل قدمت عدم اليقين، ودعت إلى الفردية المطلقة، والنسبية المفرطة، وقلب نظام القيم والأخلاق.

 

 

 

 

Advertisements
ads