رسالة ردع وطمأنة للمملكة.. سيد غنيم يوضح سيناريوهات التحرك المصري لحماية السعودية
قال الدكتور سيد غنيم خبير استراتيجي، إن الهجمات الحوثية على السعودية تضع دول المنطقة أمام اختبار يتجاوز حدود المواجهة اليمنية السعودية، ليشمل الالتزامات الدفاعية وحسابات التدخل وفرص التهدئة.
استعداد مصر المشروط للدفاع عن المملكة
أوضح: بين استعداد مصر المشروط للدفاع عن المملكة، والانفتاح الإيراني المعلن على اتفاق مكة، وضغط سلطة صنعاء لمنع اتساع الدعم للرياض، تبرز أسئلة حول حدود الانتقال من التصريحات إلى العمل العسكري، وقدرة طهران على التأثير في الحوثيين، ومدى فاعلية الاتفاق في إدارة الأزمة. وتنطلق هذه الرؤية من التمييز بين الوقائع والتقديرات، وبين حماية السعودية وحسم الصراع داخل اليمن، دون افتراض أن تقاطع المواقف يعني تنسيقها أو أن المشاركة العسكرية تستلزم تغيير التحالفات.
اتفاق مكة في أكتوبر
وتابع: لم يبدأ حديث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن اتفاق مكة في أكتوبر. ففي 31 أغسطس 2026، خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، رحب بالاتفاق وقال: "نأمل أن تنضم سائر دول المنطقة والدول الإسلامية إلى هذا المسار". وهو ترحيب بتوسيع الاتفاق، وليس إعلان صريح لاستعداد إيران للانضمام إليه.
وفي مقابلة الجزيرة يوم 26 سبتمبر، وردًا على سؤال بشأن الاتفاق وما إذا كان موجهًا ضد إيران، قال: ونحن أيضا مستعدون للمشاركة في هذا المسار، لكننا لا نعرف تفاصيل قراراتهم. وهذه أوضح صيغة تحققت منها بشأن استعداد إيران نفسها للمشاركة، لكنها لا تصل إلى طلب عضوية رسمي أو قبول محدد بالتزامات الاتفاق.
ولفت: أما تغطية الجزيرة المنشورة يوم 27 سبتمبر فتناولت مقابلة اليوم السابق. ولم أجد تصريح منفصل لبزشكيان في هذا الصدد يوم 17 أكتوبر، وما تداولته وسائل الإعلام بذلك التاريخ يتطابق مع مضمون تصريحاته السابقة. ومن ثم، يجب الحذر من التعامل معه باعتباره مبادرة جديدة مرتبطة بالضرورة بتطورات ذلك اليوم.
ثانيًا: اتفاق مكة وتباين المصالح:
وذكر: اتفاق مكة مبادرة تركية باكستانية سعودية للدفاع المشترك، ولم يحدد أعضاؤه عدو مشترك بعينه يستهدفه الاتفاق. ولا يوجد في المعلن ما يثبت أنه جزء من اصطفاف أمريكي إسرائيلي ضد إيران.
ومع ذلك، أرى أن الولايات المتحدة تسعى للاستفادة منه في اتجاهين:
الأول: الاستفادة من تركيا وباكستان حال سعيهما إلى ضبط الأوضاع داخل إيران، سواء في حالة ضعف النظام الحاكم أو انهياره.
والثاني: تقاسم الأعباء الأمنية مع دول الاتفاق، بما قد يقلص التورط الأمريكي في صراعات الشرق الأوسط. وهذا تقدير للمصالح الأمريكية المحتملة، وليس وصف لمهام معلنة للاتفاق.
في المقابل، تسعى إيران إلى تقليص عزلتها ومنع أي اصطفاف إقليمي أو تعاون عسكري موجه ضدها. وفي تقديري، تعمل أيضًا على إبعاد دول الخليج غير المرتبطة باتفاقات إبراهيم عن الولايات المتحدة وإسرائيل، وعزل دول الخليج المرتبطة بهذا الاتفاق عن محيطها العربي والإسلامي. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الانفتاح الإيراني على اتفاق مكة ضمن محاولة التأثير في اتجاه الترتيبات الإقليمية وحدودها.
ثالثًا: إيران والحوثيون وأمن السعودية:
تشير تقديرات إلى احتمال وجود دور إيراني وراء تقدم الحوثيين في اليمن واستهداف السعودية، إن لم يكن بالقيادة فبالدعم. وفي كل الأحوال، قد تمنح النجاحات الحوثية طهران ورقة ضغط إضافية على الرياض.
لكن صلات إيران بالحوثيين، وإن منحتها نفوذًا محتملًا عليهم، لا تجعلها تلقائيًا الوسيط الأكثر تأهيلًا أو ضمانًا لالتزامهم. والاختبار هو مدى مساهمتها الفعلية في وقف الهجمات بصورة قابلة للتحقق.
كذلك، فإن رفض تصريحات بزشكيان أو عدم انضمام إيران إلى اتفاق مكة لا يمنح طهران مبرر لاستهداف دول الخليج، ولا يعفيها من مسؤولية أفعالها. المطلوب اختبار جدية التصريحات، دون القفز من إعلان الاستعداد إلى افتراض النتائج. وفتح التفاوض لا يعني بالضرورة تغيير التحالفات، وإن كان قد يؤثر في حسابات أطرافها.
رابعًا: الموقف المصري وحدود الالتزام:
وتابع: أرى تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن الدفاع عن السعودية إعلان استعداد جادًا، ورسالة ردع وطمأنة للمملكة، مع التمهيد لتفويض برلماني يتيح التحرك، وقد ربط التنفيذ تحديدًا بطلب القيادة السعودية المساعدة المصرية، بقوله: "إذا طُلب منا ذلك"، وحدد الغرض بالدفاع عن السعودية. وبذلك، يتعلق الموقف المعلن باستعداد للتحرك استجابة لطلب سعودي، وفي إطار موافقة مجلس النواب.
ولا يتضمن التصريح المعلن ربطًا بتصريحات بزشكيان، وأي ارتباط سياسي أوسع بين الموقفين يحتاج إلى دليل يتجاوز التقارب في توقيت تداول الأخبار. كما أن التفويض، إن صدر، لا يحدد وحده طبيعة القوات أو مهامها أو مناطق عملها، وهي أمور تحتاج إلى تحديد واضح في أي ترتيبات تنفيذية.
خامسًا: رسالة صنعاء والضغط على مصر:
تطالب رسالة رئيس مجلس النواب في صنعاء، العامل تحت سلطة الحوثيين، البرلمان المصري بعدم تفويض تدخل عسكري لدعم السعودية، وتحمل الرياض مسؤولية الحرب والحصار وتعثر التسوية، وتحذر من تداعيات التدخل على أمن مصر واستقرارها الداخلي.
وفي تقديري، تجمع الرسالة بين الضغط السياسي والردع المبطن، إذ تعيد تقديم الاستعداد المصري للدفاع عن السعودية باعتباره مشاركة في الحرب على اليمن، وتربطه بإسرائيل والجماعات التكفيرية لرفع كلفته أمام الرأي العام المصري، دون منطق ولا دليل يثبت هذا الربط، ولكنه يهدف إلى التأثير في قطاعات من الرأي العام المصري عبر استثارة الاعتبارات السياسية والعاطفية.
كما تحمل الإشارة إلى الاستقرار الداخلي المصري إيحاء تهديدي يتجاوز الاعتراض الدبلوماسي، دون إعلان صريح باستهداف مصر. وتتحدث الرسالة باسم الشعب اليمني كله، بينما تصدر عن جزء منه، وهو مجلس صنعاء العامل تحت سلطة فصيل الحوثيين، ولا تعكس بالضرورة مواقف مختلف الأطراف اليمنية.
وتكشف الرسالة محاولة منع اتساع الدعم العسكري للسعودية، لكنها لا تثبت تنسيقًا مع طهران إلاأنها تأتي في مصلحتها. ويظل تحديد نطاق أي مهمة مصرية دفاعية ضروريًا، بينما تُختبر جدية الانفتاح الإيراني بمدى مساهمته الفعلية في وقف الهجمات، لا بالتصريحات وحدها.
سادسًا: الاستنتاجات:
1. في تقديري، يضع الاستعداد المصري سلطة صنعاء أمام معضلة، فاستمرار الهجمات على السعودية قد يعزز مبررات الدعم المصري الذي تسعى الرسالة إلى منعه. وإذا تحول التحذير إلى تهديد صريح أو عمل ضد مصر، فقد يرفع كلفة التصعيد على الحوثيين بدلًا من ردع القاهرة.
2. إذا تطور الانفتاح الإيراني على اتفاق مكة إلى بحث عضوية فعلية، فستواجه طهران اختبارًا بشأن التوفيق بين الالتزامات الدفاعية المحتملة تجاه السعودية وعلاقتها بالحوثيين الذين يستهدفون المملكة. وسيكشف هذا الاختبار مدى استعداد إيران لتعديل سلوكها وقدرتها على التأثير في الجماعة.
3. إذا نجحت طهران في المساهمة في وقف الهجمات، فسيتعزز وزنها التفاوضي، دون أن يثبت ذلك وحده أنها كانت تقودها. أما استمرار الهجمات رغم تدخل إيراني معلن للتهدئة، فسيضعف التعويل عليها بوصفها ضامن، سواء بسبب محدودية نفوذها أو غياب استعدادها لاستخدامه.
4. قد يؤدي اتساع الدعم الدفاعي للسعودية إلى تقليل الأثر العسكري للهجمات الحوثية، لكنه لا يضمن وحده إنهاء الحرب داخل اليمن. ومن ثم، ستظل حماية المملكة وتسوية الصراع اليمني مسارين مترابطين، لكل منهما متطلبات مختلفة.
في تقديري، قد يكون تجنب ظهور مصر وإسرائيل ضمن جهد عسكري واحد من الاعتبارات المؤثرة في الموقف السعودي تجاه المشاركة الإسرائيلية، وربما يعكس تفاهم مصري سعودي بهذا الشأن. فالمشاركة المشتركة قد ترفع الكلفة السياسية والإعلامية للتدخل المصري، وتتيح للحوثيين وإيران وجماعة الإخوان المسلمين وأطراف معارضة أخرى توظيفها ضد القاهرة، مع احتمال تقاطع حملاتها الإعلامية دون وجود تنسيق مباشر بينها.
تحويل التفاهمات الدفاعية إلى تنسيق عسكري فعلي
تمثل الأزمة اختبارًا متزامنًا لثلاثة أطراف: مصر، من حيث ترجمة استعدادها للدفاع عن السعودية إلى إجراءات عسكرية محددة؛ وإيران، من حيث قدرتها واستعدادها للتأثير في الحوثيين ووقف هجماتهم؛ ودول اتفاق مكة، من حيث قدرتها على تحويل التفاهمات الدفاعية إلى تنسيق عسكري فعلي. وستوفر نتائج هذه الاختبارات مؤشرات على اتجاه التعاون الدفاعي الإقليمي وحدود تطوره، دون أن تعني بالضرورة تغير التحالفات القائمة أو انضمام أطراف جديدة إليها.
سابعًا: التوقعات:
1. ستجمع السعودية بين تعزيز دفاعاتها واختبار فرص التهدئة، مع استمرار دعم القوات اليمنية المناوئة للحوثيين. وسيكون وقف الهجمات على المملكة أقرب للتحقق من تسوية شاملة للصراع اليمني، لاختلاف متطلبات المسارين وتعدد الأطراف المعنية بالتسوية.
لا أرى أن المشاركة المصرية المحتملة في الدفاع عن السعودية تعني بذاتها اتجاه مصر للانضمام إلى اتفاق مكة. والأقرب، في تقديري، أن تقدم القاهرة دعمها عبر ترتيبات ثنائية ومهام محددة، بما يؤكد استعدادها لمساندة حلفائها دون اشتراط الانضمام إلى اتفاقات أو تحالفات جديدة. أما العضوية فهي قرار سياسي مستقل، لا تُستنتج من إرسال قوات أو التنسيق مع دول الاتفاق.
وتابع: إذا طلبت السعودية دعمًا إقليميًا إضافيًا، فمن المرجح أن تكون المشاركة تدريجية، تبدأ بقدرات نوعية تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، ومكافحة المسيّرات، والإنذار المبكر والاستطلاع والحرب الإلكترونية، مع احتمال مشاركة عناصر جوية وبحرية لحماية المنشآت والموانئ والملاحة. وقد يتراوح حجم القوات بين مئات الأفراد وبضعة آلاف، وفقًا لطبيعة المهام ومدتها وعدد المواقع المطلوب تأمينها، وهو تقدير مشروط بالاحتياجات العملياتية والقرارات السياسية. ولا يُرجح أن تبدأ المشاركة المصرية بتشكيلات برية كبيرة للقتال داخل اليمن، لما يتطلبه ذلك من قرار مستقل وترتيبات أوسع للقيادة والتأمين والإمداد.
أوضح: سيشكل التعامل مع الأزمة اختبار لاتفاق مكة. فإذا استمر الدعم عبر ترتيبات ثنائية، فسيتعزز دور الدول الأعضاء دون أن يثبت ذلك اكتمال التشغيل الجماعي للاتفاق. أما إسناد مهام مشتركة وفق قيادة وتخطيط منسقين في إطار الاتفاق، فسيكون مؤشر أقوى على انتقاله إلى العمل الفعلي. وتعاون مصر مع هذه الدول لا يعني تلقائيًا مشاركتها تحت مظلته.
ولفت: سيستمر الحوثيين في الضغط السياسي والإعلامي على مصر والدول المشاركة، وتصوير الدعم الدفاعي باعتباره دخول في الحرب على اليمن. وقد يصاحب ذلك تكثيف الهجمات المتزامنة بالصواريخ والمسيرات وتغيير توقيتاتها واتجاهات اقترابها وأهدافها لاستنزاف الدفاعات. أما استهداف مصر مباشرة فسيظل خيار أعلى كلفة، لأنه قد يوسع المواجهة التي تسعى رسالة صنعاء أصلًا إلى منعها. ولذلك، لا يكفي انخفاض الأضرار للحكم بانحسار التهديد ما دامت القدرة على مواصلة الهجمات قائمة.
وتوقع أن تستغل أطراف من المعارضة المصرية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، أي مشاركة مصرية محتملة لتصويرها باعتبارها مشاركة في الحرب على الشعب اليمني، بدلًا من الدفاع عن السعودية. وقد تسعى إلى استقطاب تعاطف تيارات معارضة أخرى عبر توظيف رفض التدخل العسكري والحساسية الشعبية تجاه إسرائيل، دون أن يعني ذلك تطابق مواقف جميع فئات المعارضة أو دوافعها.
واستطرد: قد تحاول إيران في البداية تحويل نفوذها لدى الحوثيين إلى مكسب تفاوضي، عبر المساهمة في تهدئة تحد من اتساع التدخل الإقليمي وتعزز موقعها في ترتيبات أمن المنطقة. وإذا نجحت، فقد تطلب تفاهمات أوسع بشأن التعاون العسكري الخليجي مع القوى الخارجية. لكن نجاحها يتوقف على استعدادها لاستخدام نفوذها واستجابة الحوثيين، ولن تؤدي التهدئة وحدها إلى انفصال السعودية عن واشنطن، فالأقرب استمرار تنويع الشراكات مع الاحتفاظ بالقدرات والضمانات القائمة.
إذا استمرت الهجمات الحوثية وأوقعت خسائر جسيمة في السعودية رغم تعزيز دفاعاتها، فقد تتوسع العمليات لتشمل ضرب مصادر الهجوم داخل اليمن، مع ما يترتب على ذلك من متطلبات للتنسيق والقيادة وقواعد الاشتباك، ومخاطر اتساع المواجهة والاستنزاف. ومع ذلك، سيظل تأثير التدخل الإقليمي على الوضع البري محدودًا ما لم تتمكن القوات اليمنية المناوئة للحوثيين من استعادة المبادأة، مما قد يؤدي إلى تراجع أضرار الهجمات على السعودية دون إضعاف مماثل لقدرات الحوثيين داخل اليمن.