الجامع الأزهر ينظم ملتقى حول الوعي الصحي بالغذاء وعلاقته بالصحة النفسية
نظم الجامع الأزهر الشريف، ملتقى توعويًا بعنوان «الوعي الصحي بالغذاء»، ناقش خلاله المشاركون سبل تعزيز الوعي بالتغذية السليمة من خلال الجمع بين التوجيهات الشرعية والتأصيل القرآني والرؤية النفسية والسلوكية، مع التأكيد على أهمية ترشيد الاستهلاك الغذائي وحماية صحة الإنسان باعتبارها مسؤولية دينية ومجتمعية.

الغذاء يرتبط بالمشاعر والسلوك وليس بالسعرات الحرارية فقط
وأوضحت الدكتورة تغريد الشافعي، أستاذ الطب النفسي بكلية طب البنات جامعة الأزهر، أن التعامل الصحي مع الغذاء لا يقتصر على معرفة عدد السعرات الحرارية أو تحديد أنواع الأطعمة، وإنما يشمل فهم طبيعة العلاقة بين الطعام والحالة النفسية والأفكار والسلوكيات اليومية.
وأشارت إلى أن التعرض المستمر للضغوط النفسية قد ينعكس على شهية الإنسان واختياراته الغذائية، ويدفعه أحيانًا إلى اللجوء لما يُعرف بـ«الأكل العاطفي»، باعتباره وسيلة سريعة للتخفيف من التوتر أو الشعور بالراحة، موضحة أن التحكم في الضغوط النفسية يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء عادات غذائية متوازنة.
ودعت إلى تبني أسلوب «اليقظة أثناء تناول الطعام»، من خلال التمهل في الأكل، والانتباه إلى مذاق الطعام ورائحته وملمسه، والابتعاد عن المشتتات، فضلًا عن ملاحظة إشارات الجوع والشبع، والتعرف على المشاعر التي تصاحب تناول الطعام.
التغذية السليمة مرتبطة بحفظ النفس والمقاصد الشرعية
من جانبها، أكدت الدكتورة دينا سامي حسن، مدرس التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، أن العناية بالغذاء تندرج ضمن مبادئ الشريعة الإسلامية المرتبطة بحفظ الضرورات الخمس، وفي مقدمتها حفظ النفس، موضحة أن الاهتمام بصحة البدن والتغذية السليمة يمثل جانبًا من المسؤولية الشرعية تجاه الإنسان.
وتناولت خلال الملتقى الصلة بين الغذاء والعقيدة والأخلاق والسلوك، موضحة أن الطعام يمد الإنسان بالطاقة التي يحتاج إليها في العبادة والعمل، بينما يسهم الالتزام بضوابط الحلال والآداب الشرعية في ترسيخ السلوك القويم وتحقيق مقاصد الشريعة.
وسلطت الضوء على ما ورد في سورة «عبس» من تذكير الإنسان بمراحل إنبات الطعام وتنوع مصادره، بدءًا من الماء وصولًا إلى الحبوب والفاكهة، معتبرة أن التأمل في هذه النعم يفتح المجال لفهم أهمية التنوع الغذائي وتكامل العناصر التي يحتاج إليها الجسم، ومنها الكربوهيدرات والبروتينات والدهون والفيتامينات والمعادن.
كما تناولت بعض الأطعمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، ومن بينها العسل والتمر والتين والزيتون، مشيرة إلى ما ارتبط بها من قيم غذائية ودوائية، ومؤكدة أن تحقيق الأمن الغذائي يعد أحد العوامل الداعمة لاستقرار المجتمعات.
وأضافت أن دور الأم في نشر الوعي الغذائي داخل الأسرة يحظى بأهمية كبيرة، باعتبارها طرفًا أساسيًا في توجيه العادات الغذائية للأبناء، والمساهمة في توفير بيئة منزلية تعزز الاهتمام بالصحة والتغذية المتوازنة.
أصول التغذية في الإسلام.. الاعتدال والابتعاد عن الإسراف
وفي السياق ذاته، أوضحت الدكتورة حياة حسين العيسوي، أن المنظور الإسلامي للتعامل مع الجسد يقوم على اعتباره أمانة تستوجب الرعاية والحفاظ، مشيرة إلى أن التغذية السليمة تستند إلى مجموعة من المبادئ الشرعية، أبرزها الاعتدال في تناول الطعام والشراب، والابتعاد عن الإسراف، والحرص على اختيار الطيبات.
واستشهدت بقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، موضحة أهمية الاسترشاد بالهدي النبوي في تنظيم الطعام، ومن ذلك قاعدة الثلث المتعلقة بالطعام والشراب والنفس، إلى جانب مراعاة قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» في اختيار ما يتناسب مع سلامة البدن وتجنب ما قد يلحق به الضرر.
الآداب النبوية لتناول الطعام وأثرها على الصحة
واستعرضت الدكتورة حياة حسين عددًا من الآداب النبوية المرتبطة بتناول الطعام والشراب، موضحة أبعادها الصحية والسلوكية، ومن بينها غسل اليدين قبل الأكل وبعده للحد من انتقال الجراثيم والملوثات، والحرص على التسمية والتمهل في المضغ بما يساعد على تحسين عملية تناول الطعام وتعزيز الإحساس بالشبع.
كما تناولت أهمية الأكل باليمين وتناول الطعام مما يلي الشخص، باعتبار ذلك من الآداب التي تضبط سلوكيات المائدة، إلى جانب تجنب النفخ في الطعام والشراب للحد من احتمالات انتقال الملوثات، وشرب الماء على دفعات ضمن ممارسات تناول السوائل بصورة متأنية.
واختتم الملتقى أعماله بالتأكيد على ضرورة تعزيز الثقافة الصحية والغذائية لدى أفراد المجتمع، من خلال الجمع بين التوجيه الديني والمعرفة النفسية والممارسات الصحية السليمة، بما يدعم سلامة الإنسان، ويسهم في حماية الأسرة وترسيخ السلوكيات الغذائية الواعية داخل المجتمع.


