الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 الموافق 11 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تحقيقات وحوارات

أمهات تحت الشمس وأبناء خلف الأسوار| لماذا ينتظر أولياء الأمور أمام المدارس؟.. الأسباب والنتائج

انتظار أولياء الأمور
انتظار أولياء الأمور أمام المدارس
  • لماذا ينتظر أولياء الأمور أبناءهم أمام المدارس حتى انتهاء اليوم الدراسي؟
  • الأمهات: الطريق ليس سهلًا.. و«أهم حاجة نحسسهم إننا معاهم»
  • مؤسس جروب حوار مجتمعي تربوي: مظاهر العنف والتحرش تزيد مخاوف الأهالي على أبنائهم
  • استشاري صحة نفسية: الأمهات الأكثر انتظارًا لأبنائهن والاعتمادية والعزلة من الآثار المحتملة
  • أستاذ علم نفس تربوي: الظاهرة أكثر انتشارًا في المدن والمبالغة في الحماية قد تؤثر على استقلالية الطفل

خلف المظلات، وفي ظل أسوار المدارس، وأحيانًا بالاحتماء بقطع الكرتون، تقف أمهات أمام المدارس في انتظار أبنائهن حتى انتهاء اليوم الدراسي، رغم ما يتعرضن له من حرارة الشمس والإجهاد، قبل اصطحاب الطلاب إلى منازلهم.

وأصبح مشهد انتظار أولياء الأمور أمام المدارس من المشاهد المتكررة في العديد من المناطق، خاصة مع حرص بعض الأسر على البقاء بالقرب من أبنائها طوال اليوم الدراسي، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذه الظاهرة، وتأثيرها على الطلاب، وما إذا كانت المبالغة في الحماية والمتابعة قد تؤثر على استقلالية الطفل وثقته بنفسه.

وفي هذا التحقيق، يرصد «كشكول» ظاهرة انتظار أولياء الأمور أمام المدارس، ويستعرض أسبابها من وجهة نظر أولياء الأمور والمتخصصين، إلى جانب الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة عليها.

«أم مريم».. مسؤولية يومية تتجاوز انتظار ابنتها أمام المدرسة

من بين القصص التي تعكس واقع انتظار أولياء الأمور أمام المدارس، قصة «أم مريم»، التي أصبحت رحلة ابنتها في التعليم بالنسبة لها مسؤولية يومية تتجاوز مجرد توصيلها إلى المدرسة والانتظار أمامها.

وتقول الأم إن الطريق ليس سهلًا، وإن أصعب ما تواجهه لا يقتصر على متابعة الدراسة أو مساعدة ابنتها في المنزل، وإنما يمتد إلى تحمل مسؤولية الأسرة بعد فقدان الأب.

وتوضح أنها تحاول القيام بدور الأب والأم معًا، فتظل إلى جوار ابنتها في المنزل، وتتابعها في المدرسة، وتسعى في الوقت نفسه إلى توفير حالة من الهدوء والاستقرار لها حتى تتمكن من مواصلة طريقها الدراسي.

انتظار أولياء الأمور أمام المدارس

جدة تنتظر حفيدتها أمام المدرسة: «أهم حاجة نحسسها إننا معاها»

ولا يقتصر انتظار الطلاب أمام المدارس على الأمهات فقط، إذ تحرص إحدى الجدات على الحضور برفقة ابنتها للوقوف إلى جانب حفيدتها، مؤكدة أن الأمر أصبح عادة يومية بالنسبة للأسرة.

وتقول: «بنيجي كل يوم عشان نكون جنبها ونسندها.. وحتى مع أختها السنة اللي فاتت كنا بنيجي برضه»، وتضيف: «بنفضل قاعدين قدام المدرسة لحد ما تخرج.. أهم حاجة نحسسها إننا معاها وربنا يوفقها ويحقق لها كل اللي بتحلم بيه».

منى أبو غالي: أولياء الأمور ينتظرون أبناءهم خوفًا على سلامتهم

وفي هذا السياق، قالت منى أبو غالي، مؤسس ائتلاف التعليم أمن قومي ومؤسس جروب حوار مجتمعي تربوي، إن انتظار الأهالي لأبنائهم أمام المدارس يأتي في الأساس بدافع الحرص على سلامتهم، خاصة في المراحل العمرية الصغيرة.

وأوضحت أن بعض أولياء الأمور يرون أن الشوارع غير آمنة لسير الأطفال بمفردهم، في ظل كثرة السيارات والتكاتك، فضلًا عن وجود أطفال أو أشخاص بالغين قد يتسببون في إيذاء غيرهم بالطرق العامة.

وأضافت أن هناك فئة من الأسر لا تستطيع تحمل تكلفة الاشتراك في أتوبيسات المدارس أو الاتفاق مع مجموعة من الأهالي على سيارة خاصة، ما يدفع الأب أو الأم إلى توصيل أبنائهم ذهابًا وإيابًا والانتظار حتى انتهاء اليوم الدراسي، مشيرة إلى أن وجود شباب أو طلاب أمام مدارس البنات قد يخلق حالة من الذعر والخوف لدى الأهالي على بناتهم.

منى أبو غالي مؤسس ائتلاف التعليم أمن قومي

«هناك فرق بين الخوف على والخوف من»

وأضافت منى أبو غالي، في تصريحات خاصة لـ«كشكول»، أن المجتمع تسود فيه، بحسب تعبيرها، مظاهر من العنف والتحرش، وهو ما يزيد من مخاوف الأهالي على أبنائهم، سواء كانوا بنات أو أولادًا.

وفيما يتعلق بالتأثير المحتمل للظاهرة على استقلالية الطلاب وثقتهم بأنفسهم، أكدت أن فكرة أن انتظار الأهالي أمام المدارس يؤدي بالضرورة إلى نشأة جيل غير اعتمادي أو فاقد للثقة «بعيدة تمامًا عن الواقع»، موضحة أن هناك فرقًا بين الخوف على الأبناء والخوف منهم.

وأضافت أن توافر عوامل الأمان داخل المدارس وخارج أسوارها يمكن أن يسهم في تغيير أفكار الأهالي بشأن ضرورة الانتظار طوال اليوم الدراسي.

استشاري صحة نفسية: الأمهات الأكثر انتظارًا لأبنائهن

ومن الناحية النفسية والاجتماعية، قال الدكتور أحمد علام، استشاري العلاقات الأسرية والصحة النفسية، إن غالبية من ينتظرون الطلاب أمام المدارس هم الأمهات، موضحًا أن الدافع الأساسي لديهن هو الاطمئنان على الأبناء وعدم القدرة على تركهم بمفردهم طوال الوقت.

وأضاف استشاري العلاقات الأسرية والصحة النفسية، في تصريحات خاصة لـ«كشكول»، أن هناك أسبابًا أخرى للانتظار، من بينها بُعد محل إقامة الأسرة عن المدرسة، ما يدفع ولي الأمر إلى البقاء حتى نهاية اليوم الدراسي لاصطحاب الطالب إلى المنزل.

وأشار إلى أن بعض الأبناء أنفسهم قد يطلبون من أمهاتهم الانتظار، خاصة في المدارس التي تكون فيها الفصول قريبة من بوابة المدرسة.

الدكتور أحمد علام استشاري العلاقات الأسرية

الاعتمادية والعزلة من الآثار المحتملة

وأوضح الدكتور أحمد علام أن انتظار أولياء الأمور للطلاب أمام المدارس قد يترتب عليه، بحسب تقديره، تعزيز الاعتمادية وعدم تحمل المسؤولية، إلى جانب الشعور بالخوف وعدم الثقة في حال عدم وجود الأب أو الأم، وأن الظاهرة قد تؤدي أيضًا إلى عزلة الطالب، نتيجة رفضه الاندماج مع الطلاب الآخرين.

أستاذ علم نفس تربوي: الظاهرة أكثر انتشارًا في المدن 

من جانبه، أكد الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن ظاهرة انتظار أولياء الأمور أمام المدارس تعد من الظواهر التي انتشرت خلال الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أنها أكثر انتشارًا في المدن مقارنة بالريف.

وأوضح أن أسباب الظاهرة قد ترتبط بالخوف الشديد على الأطفال، خاصة في ظل وجود حالات خطف للأطفال سابقًا، ونشر تفاصيل تلك الوقائع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضاف أستاذ علم النفس التربوي ، في تصريحات خاصة لـ«كشكول»، أنه رغم إمكانية اعتبار هذا الخوف مبررًا، فإن متابعة الأبناء يمكن أن تتم بصورة أفضل، من خلال توصيل الطالب ثم الذهاب لاستقباله في نهاية اليوم الدراسي، خاصة خلال المراحل التعليمية الأولى.

الدكتور عاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي

المبالغة في الحماية قد تؤثر على استقلالية الطفل

وأوضح الدكتور عاصم حجازي أن الانتظار والمبالغة في دعم الطفل قد يأتيان بنتائج عكسية، مثل عدم القدرة على تحمل المسؤولية والاعتمادية وانخفاض الثقة بالنفس.

وأشار إلى أن وجود أعداد كبيرة من أولياء الأمور أمام المدارس يؤدي كذلك إلى حدوث زحام غير مبرر، بما قد يؤثر على النظام أمام المدارس.

وأضاف أن الطفل اليتيم، أو الطالب الذي ينشغل والداه ولا يستطيعان الانتظار أمام المدرسة، قد يشعر بالنقص أو بعدم الاهتمام عند مقارنة وضعه بزملائه الذين ينتظرهم ذووهم يوميًا.

ما الحل؟ متابعة الأبناء دون إلغاء استقلاليتهم

وخلص الدكتور عاصم حجازي إلى أن التعامل الأفضل مع الظاهرة يقوم على الجمع بين متابعة الأطفال والاطمئنان عليهم، ولكن دون مبالغة أو تعويد الطفل على الاعتماد الكامل على والديه.

وأكد أهمية ترك مساحة للطفل للتصرف بصورة شخصية، دون تدخل مباشر ومستمر من الوالدين، مع استمرار الإشراف غير المباشر والمتابعة عن بُعد.

وبينما يرى أولياء أمور أن الانتظار أمام المدارس يمثل وسيلة للاطمئنان على أبنائهم في ظل مخاوف مرتبطة بالسلامة، يحذر متخصصون من أن المبالغة في الحماية قد تنعكس على استقلالية الطفل وقدرته على تحمل المسؤولية. ويبقى توفير بيئة آمنة داخل المدرسة وفي محيطها أحد العوامل التي قد تساعد الأسر على تحقيق توازن بين حماية الأبناء ومنحهم مساحة مناسبة للاستقلال.