الإثنين 26 يناير 2026 الموافق 07 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أزهر

ابراهيم نجم: الفتوى عمل علمي جماعي وليست رأيًا شخصيًّا

كشكول

تحت رعاية الدكتور نظير محمد عياد -مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- أقيم اليوم الإثنين الموافق 26 يناير 2026 محاضرة علمية ألقاها الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، وذلك في إطار دورة تطوير مهارات الإفتاء في ضوء المستجدات المعاصرة لمجموعة من طلاب اتحاد الطلبة الإندونيسيين بالقاهرة، وجاءت المحاضرة تحت عنوان "فوضى الفتاوى في عصر الذكاء الاصطناعي".

 

حيث أكد الدكتور إبراهيم نجم أن رحلة العلم طويلة ولا يثبت فيها إلا من حمل زادًا من التقوى والعلم، مشيرًا إلى أن المعرفة لم تعد تقف عند حدود العلم الشرعي التقليدي في ظل الثورة الرقمية والتكنولوجية المتسارعة التي مرت بمراحل متعددة، وصولًا إلى عصر الذكاء الاصطناعي الذي لا يزال في بداياته ممثلًا في الذكاء المحدود، مع توقع الانتقال مستقبلًا إلى الذكاء فائق القدرات. 

 

وأوضح أن العالم مقبل بحلول عام 2050 على تحولات معرفية كبرى، مستشهدًا بتقارير صادرة عن مجلة الإيكونوميست البريطانية التي أشارت إلى تغير السقف المعرفي للبشرية خلال فترة تتراوح بين 50 و70 عامًا، ولا سيما في مجالات العلوم التجريبية والطبيعية، حيث لم تعد المعرفة ثابتة كما في السابق، بل تتجدد بوتيرة متسارعة، لدرجة أن الطالب قد يتخرج في الجامعة ليجد أن ما درسه قد تغير بالفعل، وهو ما يفرض ضرورة التعلم المستمر وعدم الاكتفاء بالدراسة الأكاديمية.

 

وأشار الأمين العام إلى أن العلوم الشرعية في أصولها ثابتة غير أن تنزيلها على الواقع متجدد، وأن الفتوى في جوهرها تطبيق للمعرفة الشرعية على الواقع المتغير، وهو ما يستدعي فهمًا عميقًا للواقع، ورفعًا دائمًا للسقف المعرفي ومواكبة دقيقة للمستجدات، لا سيما في ظل سرعة انتقال المعلومات عبر المنصات الرقمية وما يترتب على ذلك من مسؤولية أخلاقية ودينية على الأفراد فيما ينشرونه أو يتداولونه.

 

كما تطرَّق الدكتور نجم إلى مفهوم "فوضى الفتاوى في العصر الرقمي" مبينًا أن كثرة المتصدِّرين وتضارب الأقوال وغياب المرجعية أدى إلى تحوُّل الفتوى إلى محتوًى قابل للتداول والاستهلاك مثل أي مادة ترفيهية، مؤكدًا أن التحوُّل الرقمي فرصة عظيمة لنشر العلم الصحيح، لكنه إذا انفلت من الضوابط انقلب إلى تهديد ديني واجتماعي وسياسي.

 

وأوضح أن الفضاء الرقمي أصبح مفتوحًا يصعب التحكم فيه بشكل كامل حتى مع وجود تشريعات وقوانين، وأن الوازع الديني والرقابة الذاتية يمثلان خطَّ الدفاع الحقيقي في مواجهة الانفلات الرقمي، مستشهدًا بانتشار الفكر المتطرف عبر المنصات الرقمية وما يشكِّله من تهديد عالمي.

 

وبيَّن أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الفتوى ذاتها بوصفها علمًا له قواعده وضوابطه، وإنما في الفوضى الرقمية الناتجة عن 3 أطراف أساسية: المتصدِّر، والمنصة، والمتلقي، مشيرًا إلى أن مصدر الفتوى يجب أن تتوافر فيه الشروط العلمية المعتبرة، محذرًا من تصدُّر غير المؤهلين للفتوى عبر المنصات الرقمية وما يشكله ذلك من خطر بالغ، خاصة في المجتمعات الغربية، حيث ارتبط مفهوم الفتوى في أذهان كثيرين بالعنف والقتل نتيجة ممارسات متطرفة.

 

وأبرز الدكتور نجم ملامح المشهد الرقمي للفتوى، مشيرًا إلى انتقالها من الإطار التقليدي (العالِم، المؤسسة، مجلس الإفتاء) إلى فضاء مفتوح يشمل المواقع والتطبيقات والقنوات الرقمية مثل يوتيوب وتيك توك والبودكاست، مؤكدًا أن سرعة الانتشار والتداول جعلت الفتوى تصل في دقائق إلى ملايين المتلقين دون سياق أو ضوابط أو إمكانية للتصحيح، كما أن تدفق "الفتاوى الجاهزة" القصيرة المقتطعة من سياقها يفقدها بنيتها العلمية، ويحوِّلها إلى مادة خاضعة لمنطق المنصات الرقمية، تبحث عن الإثارة لا عن البيان الرشيد.