د.وائل كامل يكتب: التعليم يقتل الإبداع.. والنهضة تتأخر: قراءة في مستقبل مصر
ليست الدول فقيرة لأنها تفتقر إلى الموارد وحدها، ولا الدول المتقدمة ناجحة فقط بسبب ثرواتها الطبيعية. الفارق الحقيقي هو كيف تعاملت الدولة مع الإبداع: هل حَمَته، أم همّشته، أم قتلته مبكرًا داخل المدرسة ثم الجامعة ثم سوق العمل؟.
الدول التي نهضت لم تبدأ بمصانع ضخمة، بل بدأت بعقل مبدع وجد تعليمًا يفهمه، واقتصادًا ينتظره، ودولة تعرف كيف تستثمره ومناخ عام يحفزه.
الإبداع: عملية يمكن بناؤها
الإبداع ليس لحظة إلهام مفاجئة، بل نتيجة ثلاث ركائز أساسية: شغف وحب نابع من موهبة حقيقية، نهم دائم لاكتساب المعرفة والخبرة، وقدرة على بذل مجهود طويل المدى والتدريب المنتظم،. مناخ عام مساعد، والتميز الحقيقي يُصنع بالتدريب المستمر وليس بالذكاء وحده.
التعليم: هل يقتل الإبداع؟
في كثير من الأنظمة التعليمية، يصبح التعليم قائمًا على الحفظ والتلقين، منفصلًا عن الواقع، ومعاديًا للتفكير المبدع، ما يؤدي إلى استنزاف الإبداع قبل أن يصل إلى الإنتاج أو الصناعة. هذا يفسر لماذا تبقى بعض الدول عالقة في دائرة التخلف رغم مواردها أو عدد سنوات تعليمها.
الصناعة وحدها لا تكفي
حتى لو امتلكت الدولة مصانع كثيرة، ستظل غير قادرة على المنافسة عالميًا إذا كانت هذه المصانع تكرر ما ينتجه الآخرون فقط دون إبداع وإبتكار ودقه.. الاقتصاد الحديث يقتضي أن تكون الصناعة قائمة على الابتكار والمعرفة.. الابتكار والإبداع هو الفارق الحاسم بين الدول النامية والدول الصناعية.
التعليم أداة سيادية
الدول الناجحة لا ترى التعليم مجرد خدمة اجتماعية، بل أداة لإنتاج نوع الإنسان الذي يحتاجه اقتصادها في خططها الزمنية. الهند، على سبيل المثال، أعادت توجيه مسارات تعليمية واسعة نحو الهندسة والهاردوير وتكنولوجيا المعلومات، فحوّلت ملايين العقول إلى قوة إنتاجية لها منافسة واسواق عالمية.
فنلندا: التوازن بين الصرامة والخيال
فنلندا لم تلغِ الفنون أو الفلسفة أو علم النفس، لأنها تدرك أن هذه المجالات تُنمّي الخيال والتفكير المركّب والقدرة على حل المشكلات. هذا التوازن أوجد بيئة ابتكارية سمحت بظهور علامات عالمية مثل نوكيا، حيث كان الابتكار هو سلاح المنافسة الأساسي.
ماذا نريد من التعليم في مصر؟
نريد تعليمًا يحمي الشغف ولا يكسره، يحوّل الموهبة إلى إبداع ومهارة، ويحوّل المهارة إلى صناعة. ويتحقق ذلك عبر: تحديد قطاعات صناعية استراتيجية، توجيه المناهج لخدمتها بشكل أكثر تحصصيه، ربط المدارس والجامعات بالمصانع، وتطبيق التعليم المزدوج حيث يصبح الطالب منتجًا ومبدعا لا متلقيًا ومنفذا كالروبوت.
النهضة لا تبدأ بالمصانع، بل بعقل مبدع يعرف لماذا يتعلم ولأي غاية يعمل.. إذا أردنا الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، فعلينا أن نعيد تعريف التعليم ليس كشهادة، بل رحلة لصناعة الإنسان القادر على الإبداع ثم الصناعة ثم المنافسة العالمية والاحتكارات.